المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢١ - دقائق حقائق بعثته- صلى اللّه عليه و سلم
على نفسى» فذهب الإسماعيلى [١] إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضرورى بأن الذي جاءه ملك من عند اللّه. و كان أشق شيء عليه أن يقال عليه مجنون.
و قيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، و لا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل و الأذية، كما يخشى البشر.
* و قوله: «ما أنا بقارئ» أى: أنا أمى فلا أقرأ الكتب.
* و قال القاضى عياض: إنما يبتدئ- صلى اللّه عليه و سلم- بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك و يأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدئ بأوائل خصال النبوة و تباشير الكرامة. انتهى.
فإن قلت: فلم كرر قوله «ما أنا بقارئ» ثلاثا؟
أجاب أبو شامة [٢] كما فى فتح البارى: بأن يحمل قوله أولا «ما أنا بقارئ» على الامتناع، و ثانيا: على الإخبار بالنفى المحض، و ثالثا: على الاستفهام.
* و الحكمة من الغط ثلاثا، شغله عن الالتفات لشىء آخر، و إظهارا للشدة و الجد فى الأمر، تنبيها على ثقل القول الذي سيلقى عليه.
و قيل: إبعادا لظن التخيل و الوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر اللّه.
* فإن قلت: من أين عرف- صلى اللّه عليه و سلم- أن جبريل ملك من عند اللّه، و ليس من الجن؟
فالجواب من وجهين:
[١] هو: الحافظ الحجة، أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجانى الشافعى، صاحب «المستخرج على صحة البخاري»، كما أن له تصانيف تشهد له بالإمامة فى الفقه و الحديث، توفى سنة (٣٧١ ه).
[٢] هو: أبو القاسم، شهاب الدين، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسى الدمشقى، أحد الأعلام، مؤرخ باحث محدث، توفى سنة (٦٦٥ ه).