المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٩ - دقائق حقائق بعثته- صلى اللّه عليه و سلم
التعبد- الليالى ذوات العدد، و يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق و هو فى غار حراء.
فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، «فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد [١]، ثم أرسلنى [٢]»، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى»، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى» فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى- بلغ- ما لَمْ يَعْلَمْ [٣] [٤].
فرجع بها رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يرجف فؤاده [٥]، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملونى زملونى» [٦] فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال:
«يا خديجة، ما لى؟» و أخبرها الخبر، ثم قال: «قد خشيت على نفسى».
فقالت له: كلا أبشر، فو اللّه لا يخزيك [٧] اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكل [٨]، و تقرى الضيف [٩]، و تعين على نوائب الحق [١٠].
[١] غطنى: أى ضمنى و عصرنى، أما الجهد: فيجوز فيها فتح الجيم و ضمها، و هو الغاية و المشقة، و يجوز نصب الدال و رفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل منى الجهد، و على الرفع: بلغ الجهد منى مبلغه و غايته.
[٢] أرسلنى: أى أطلقنى.
[٣] سورة العلق: ١- ٥.
[٤] قلت: فى هذا الحديث دلالة صريحة على أن أول ما نزل من القرآن: اقرأ، خلافا لمن يقول بغير ذلك كسورة الفاتحة مثلا.
[٥] يرجف فؤاده: أى يرتعد و يضطرب.
[٦] زملونى: أى غطونى بالثياب و لفونى بها.
[٧] الخزى: هو الفضيحة و الهوان.
[٨] الكلّ: أصل الكل الثقل، و منه قوله تعالى: وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، و يدخل فى حمل الكل، الإنفاق على الضعيف و اليتيم و العيال، و غير ذلك، و هو من الكلال، و هو الإعياء.
[٩] تقرى الضيف: أى تطعم الضيف، حيث يقال للطعام الذي يضيف به قرى، و يقال لفاعله: قار.
[١٠] النوائب: جمع نائبة، و هى الحادثة، و إنما قالت: نوائب الحق، لأن النائبة قد تكون فى الخير، و قد تكون فى الشر.