المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٧٧ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
الهجرة، و أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان قادرا على الحج فى سنة ثمان، و فى سنة تسع، و لم يحج إلا فى سنة عشر، و سيأتى فى حجه- صلى اللّه عليه و سلم- من مقصد عباداته مزيد لذلك إن شاء اللّه تعالى.
فإن قلت كيف قال- صلى اللّه عليه و سلم- آمركم بأربع، و المذكورات خمس؟ قلت أجاب القاضى [عياض] [١] تبعا لابن بطال: بأن الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: و كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان و فروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، و لم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، و لم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: و لذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
و قال غيره: و قوله «و أن تعطوا» معطوف على قوله «بأربع» أى: آمركم بأربع و بأن تعطوا، و يدل عليه العدول عن سياق الأربع و الإتيان: بأن و الفعل، مع توجيه الخطاب إليهم.
و قال القاضى أبو بكر بن العربى: يحتمل أن يقال: إنه- صلى اللّه عليه و سلم- عد الصلاة و الزكاة واحدة لأنها قرينتها فى كتاب اللّه، و تكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل فى عموم إيتاء الزكاة و الجامع بينهما: أنه إخراج مال معين.
و قال البيضاوى: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، و هو أحد الأربعة الموعود بذكرها، و الثلاثة الأخرى حذفها الراوى اختصارا أو نسيانا.
و تعقب بأنه وقع فى صحيح البخاري أيضا فى رواية: «آمركم بأربع:
شهادة أن لا إله إلا اللّه، و عقد واحدة» فدل على أن الشهادة إحدى الأربع.
و قال القرطبى: قيل إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، و إنما ذكر الشهادتين تبركا، و إلى هذا نحا الطيبى، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له، و طرحوا ما عداه، و هنا لم يكن الغرض فى
[١] فى الأصل عبد الوهاب، و الصواب ما أثبتناه نقلا عن «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (١/ ١٣٣) المصدر المنقول منه.