المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٦ - ذكر رضاعه- صلى اللّه عليه و سلم
أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول اللّه إنا رأينا ما صنعت، قال: «إنى استأذنت ربى فى زيارة قبر أمى فأذن لى، و استأذنته فى الاستغفار لها فلم يأذن لى». فما رؤى باكيا أكثر من يومئذ [١].
* و روى ابن أبى حاتم فى تفسيره عن عبد اللّه بن مسعود، أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه-، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، و إنى استأذنت ربى فى زيارتها فأذن لى، و إنى استأذنته فى الدعاء لها فلم يأذن لى، و أنزل اللّه على: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [٢] فأخذنى ما يأخذ الولد للوالد [٣]. و رواه الطبرانى من حديث ابن عباس.
* و فى مسلم: «استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى، و استأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة» [٤].
قال القاضى عياض: بكاؤه٧ على ما فاتها من إدراك أيامه و الإيمان به.
* و فى مسلم أيضا: «أن رجلا قال: يا رسول اللّه: أين أبى، قال:
«فى النار» فلما قفا دعاه، قال: «إن أبى و أباك فى النار» [٥].
قال النووى: فيه أن من مات على الكفر فهو فى النار، و لا ينفعه قرابة المقربين.
[١] أخرجه ابن جرير فى «تفسيره» (١١/ ٤٢).
[٢] سورة التوبة: ١١٣.
[٣] ذكره ابن كثير فى «تفسيره» (٢/ ٣٩٤)، و عزاه لابن أبى حاتم.
[٤] صحيح: أخرجه مسلم (٩٧٦) فى الجنائز، باب: استئذان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- ربه عز و جل فى زيارة قبر أمه، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٥] صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٣) فى الإيمان، باب: بيان أن من مات على الكفر فهو فى النار، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.