المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٧ - ذكر رضاعه- صلى اللّه عليه و سلم
و فيه: أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو فى النار، و ليس فى هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم و غيره من الأنبياء.
و قال الإمام فخر الدين: من مات مشركا فهو فى النار، و إن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، و استبدلوا بها الشرك و ارتكبوه، و ليس معهم حجة من اللّه به، و لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك و الوعيد عليه فى النار، و أخبار عقوبات اللّه لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن، فللّه الحجة البالغة على المشركين، فى كل وقت و حين، و لو لم يكن إلا ما فطر اللّه عباده عليه من توحيد ربوبيته، و أنه يستحيل فى كل فطرة و عقل أن يكون معه إله آخر، و إن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد فى الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب فى النار لمخالفته دعوة الرسل، و هو مخلد فيها دائما كخلود أهل الجنة فى الجنة.
انتهى.
و قد تعقب العلامة أبو عبد اللّه الأبى من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووى الماضى و فيه «أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فى النار، إلى آخره» بما معناه:
تأمل ما فى كلامه من التنافى، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، و لا أدركوا الثانى، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى و لا لحقوا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. و الفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح و هود، لكن الفقهاء إذا تكلموا فى الفترة فإنهم يعنون التي بين عيسى و نبينا- عليهما الصلاة و السلام-. و ذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة.