المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٠ - غزوة مؤتة
بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصدا، حتى توافونى بالصفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول اللّه: أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم. فقال صلى اللّه عليه و سلم-: «من أغلق بابه فهو آمن» [١].
قال فى فتح البارى: و قد تمسك بهذه القصة من قال: إن مكة فتحت عنوة، و هو قول الأكثر.
و عن الشافعى، و هو رواية عن أحمد: أنها فتحت صلحا، لما وقع من هذا التأمين، و لإضافة الدور إلى أهلها، و لأنها لم تقسم، و لأن الغانمين لم يملكوا دورها. و إلا لجاز إخراج أهل الدور منها.
و حجة الأولين: ما وقع التصريح به من الأمر بالقتال، و وقوعه من خالد بن الوليد، و بتصريحه- صلى اللّه عليه و سلم- بأنها أحلت له ساعة من نهار، و نهيه عن التأسي به فى ذلك.
و أجابوا عن ترك القسمة: بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلد عنوة و يمن على أهلها، و يترك لهم دورهم.
و أما قول النووى: و احتج الشافعى بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة ففيه نظر، لأن الذي أشار إليه، إن كان مراده ما وقع من قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» كما تقدم و كذا من دخل المسجد- كما عند ابن إسحاق- فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكف عن القتال، و الذي ورد فى الأحاديث الصحيحة ظاهر فى أن قريشا لم يلتزموا بذلك لأنهم استعدوا للحرب. و إن كان مراده بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل، و لا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول و فيه ما ذكرته. انتهى.
[١] صحيح: أخرجه مسلم (١٧٨٠) فى الجهاد و السير، باب: فتح مكة، و النسائى فى «الكبرى» (١١٢٩٨)، و أحمد فى «مسنده» (٢/ ٥٣٨) من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.