المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٣ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
و قيل: إنه لما وصل إلى قوله: وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [١]. خشى المشركون أن يأتى بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه فى تلاوة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- على عادتهم فى قوله: (لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه) و نسب ذلك إلى الشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس.
و قيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، و كان الكفار يقولون: الملائكة بنات اللّه، و يعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الْأُنْثى [٢] فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، و قالوا: إنه عظم آلهتنا و رضوا بذلك، فنسخ اللّه تينك الكلمتين و أحكم آياته.
و قيل: كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يرتل القرآن، فارتصده الشيطان فى سكتة من السكتات و نطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، و أشاعها.
قال: و هذا أحسن الوجوه، و يؤيد ما ورد عن ابن عباس فى تفسير «تمنى» ب «تلا».
و كذا استحسن ابن العربى هذا التأويل و قال: معنى قوله: فى أمنيته، أى فى تلاوته، فأخبر اللّه تعالى فى هذه الآية أن سنة اللّه فى رسله، إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص فى أن الشيطان زاد فى قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، لا أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قاله.
و قد سبق إلى ذلك الطبرى، مع جلالة قدره و سعة علمه و شدة ساعده فى النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى [٣].
ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة. وعدتهم ثلاثة و ثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، و ثمانى عشرة امرأة.
[١] سورة النجم: ٢٠.
[٢] سورة النجم: ٢١.
[٣] انظر «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (٨/ ٤٣٩- ٤٤٠).