المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٥٤ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
و كان معهم عبيد اللّه بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان، فتنصر هناك ثم توفى على دين النصرانية. و تزوج رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أم حبيبة بنت أبى سفيان سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، و هى بالحبشة كما سيأتى إن شاء اللّه تعالى فى المقصد الثانى عند ذكر أزواجه- صلى اللّه عليه و سلم-.
و خرج أبو بكر الصديق- رضى اللّه عنه- مهاجرا إلى الحبشة حتى بلغ برك الغماد [١] و رجع فى جوار سيد القارة، مالك بن الدغنة- بفتح الدال المهملة و كسر الغين المعجمة، و تخفيف النون. و بضم الدال و الغين و تشديد النون- يعبد ربه فى داره، و ابتنى مسجدا بفناء داره، و كان يصلى فيه و يقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين و أبناؤهم، و يعجبون منه. و كان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا لابن الدغنة: إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا و أبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربّه فى داره فعل، و إن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك.
فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإنى أرد إليك جوارك و أرضى بجوار اللّه [٢]. الحديث رواه البخاري.
ثم قام رجال فى نقض الصحيفة، فأطلع اللّه نبيه- صلى اللّه عليه و سلم- على أن الأرضة [٣] أكلت جميع ما فيها من القطيعة و الظلم، فلم تدع إلا اسم اللّه تعالى فقط، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال- صلى اللّه عليه و سلم- و ذلك فى السنة العاشرة.
[١] موضع بين مكة و زبيد، و قيل غير ذلك.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢٢٩٨) فى الكفالة، باب: جوار أبى بكر فى عهد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- و عقده، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٣] الأرضة: دودة بيضاء شبه النمل تأكل الخشب خاصة، و منها نوع مثل كبار النمل ذوات أجنحة، تأكل الخشب و غيره، غير أنها لا تعرض للرطب، و هى ذات قوائم.