المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧٤ - غزوة مؤتة
و كان ممن لقيه فى الطريق أبو سفيان بن الحارث، ابن عمه، و أخوه من رضاع حليمة السعدية، و معه ولده جعفر بن أبى سفيان. و كان أبو سفيان يألف رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فلما بعث عاداه و هجاه. و كان لقاؤهما له٧ بالأبواء و أسلما قبل دخول مكة.
و قيل: بل لقيه هو و عبد اللّه بن أبى أمية، ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيا و العرج، فأعرض- صلى اللّه عليه و سلم- عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الأذى و الهجو، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك و ابن عمتك أشقى الناس بك، و قال على لأبى سفيان- فيما حكاه أبو عمر و صاحب ذخائر العقبى-: ائت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له صلى اللّه عليه و سلم-: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [٢] [٣].
و يقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- منذ أسلم حياء منه.
قالوا: ثم سار- صلى اللّه عليه و سلم- فلما كان بقديد عقد الألوية و الرايات و دفعها إلى القبائل.
ثم نزل مر الظهران عشاء، فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، و لم يبلغ قريشا مسيره و هم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان ابن حرب و قالوا: إن لقيت محمدا فخذ لنا منه أمانا، فخرج أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء حتى أتوا مر الظهران، فلما رأوا العسكر أفزعهم.
و فى البخاري: (فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما
[١] سورة يوسف: ٩١.
[٢] سورة يوسف: ٩٢.
[٣] أخرجه الحاكم فى «مستدركه» (٣/ ٤٦- ٤٨) من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما- بسند جيد.