المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٧١ - غزوة مؤتة
فتجهز رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من غير إعلام أحد بذلك.
فكتب حاطب كتابا و أرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع اللّه نبيه على ذلك.
فقال٧ لعلى بن أبى طالب و الزبير و المقداد: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها». قال فانطلقنا .. حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجى الكتاب، قالت: ما معى كتاب. قلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. فإذا فيه: من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. فقال: «يا حاطب، ما هذا؟». قال: يا رسول اللّه لا تعجل على، إنى كنت امرأ ملصقا فى قريش- يقول: كنت حليفا و لم أكن من أنفسها- و كان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم و أموالهم، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتى، و لم أفعله ارتدادا عن ذنبى و لا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «أما إنه قد صدقكم». فقال عمر: يا رسول اللّه، دعنى أضرب عنق هذا المنافق، فقال:
«إنه قد شهد بدرا، و ما يدريك لعل اللّه اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» فأنزل اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله: فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [١] [٢]. رواه البخاري.
قال فى فتح البارى: و إنما قال عمر- رضى اللّه عنه-: دعنى يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر من القوة فى الدين و بغض المنافقين، فظن أن من خالف ما
[١] سورة الممتحنة: ١.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٠٠٧) فى الجهاد و السير، باب: الجاسوس، و مسلم (٢٤٩٤) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر- رضى اللّه عنهم- و قصة حاطب بن أبى بلتعة- رضى اللّه عنه-.