المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧٣ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
و لقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك، و ما أحسن قول ابن النقيب:
ودود القز إن نسجت حريرا * * * يجمل لبسه فى كل شى
فإن العنكبوت أجل منها * * * بما نسجت على رأس النبيّ
و روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «اللهم أعم أبصارهم» [١]، فعميت عن دخوله، و جعلوا يضربون يمينا و شمالا حول الغار. و هذا يشير إليه قول صاحب البردة:
أقسمت بالقمر المنشق [٢]إن له * * * من قلبه نسبة مبرورة القسم
و ما حوى الغار من خير و من كرم * * * و كل طرف من الكفار عنه عم
فالصدق فى الغار و الصديق لم ير ما * * * و هم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام و ظنوا العنكبوت على * * * خير البرية لم تنسج و لم تحم
وقاية اللّه أغنت عن مضاعفة * * * من الدروع و عن عال من الأطم
أى عموا عما فى الغار مع خلق اللّه ذلك فيهم، لأنهم ظنوا أن الحمام لا يحوم حوله- صلى اللّه عليه و سلم- و أن العنكبوت لا تنسج عليه لما جرت العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورا، فمهما أحسا بالإنسان فرا منه، و ما علموا أن اللّه تعالى يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من عباده، و أن وقاية عبده بما شاء تغنى عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع، و عن التحصن بالعالى من الأطم، و هى الحصون، فللّه در الأبوصيري شاعرا، و ما أحسن قوله فى قصيدته اللامية حيث قال:
وا غيرتا حين أضحى الغار و هو به * * * كمثل قلبى معمور و مأهول
كأنما المصطفى فيه و صاحبه ال * * * صديق ليثان قد آواهما غيل
و جلل الغار نسج العنكبوت على * * * و هن فيا حبذا نسج و تجليل
[١] أخرجه ابن حجر فى «تخريج أحاديث الكشاف» (ص ٧٦).
[٢] الذي يقسم بالمخلوقات، هو اللّه عز و جل، أما نحن فلا يجوز لنا أن نقسم إلا به سبحانه، أو بأحد أسمائه أو صفاته، لحديث رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا تحلف إلا باللّه» الحديث.