المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٧٤ - هجرته- صلى اللّه عليه و سلم
عناية ضل كيد المشركين بها * * * و ما مكائدهم إلا الأضاليل
إذ ينظرون و هم لا يبصرونهما * * * كأن أبصارهم من زيغها حول
و فى الصحيح عن أنس قال أبو بكر: يا رسول اللّه، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال له رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» [١].
و روى أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى الغار و قد تفترتا دما فاستبكيت و علمت أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يكن تعود الحفا و الجفوة.
و روى أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ليقيه بنفسه، و أنه رأى جحرا فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فجعلت الحيات و الأفاعى تضربنه و تلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر. و فى رواية: فدخل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و وضع رأسه فى حجر أبى بكر فنام، فلدغ أبو بكر فى رجله من الجحر و لم يتحرك فسقطت دموعه على وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم-، فقال: مالك يا أبا بكر؟ فقال لدغت فداك أبى و أمى، فتفل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فذهب ما يجده. رواه رزين.
و روى أيضا: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم- و قال إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، و إن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [٢]. يعنى بالمعونة و النصر، فأنزل اللّه سكينته- و هى أمنة تسكن عندها القلوب- على أبى بكر لأنه كان منزعجا، و أيده- يعنى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بجنود لم تروها من الملائكة ليحرسوه فى الغار، أو ليصرفوا وجوه الكفار و أبصارهم عن رؤيته [٣].
انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوى
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٦٥٣) فى المناقب، باب: مناقب المهاجرين و فضلهم منهم أبو بكر عبد اللّه بن أبى قحافة التيمى- رضى اللّه عنه-، و مسلم (٢٣٨١) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة التوبة: ٤٠.
[٣] أخرجه أحمد فى «مسنده» (١/ ٢) بنحوه، من حديث أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه-.