المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩١ - ذكر رضاعه- صلى اللّه عليه و سلم
- صلى اللّه عليه و سلم- فتأباه، إذا قيل لها يتيم [١]، فو اللّه ما بقى من صواحبى امرأة إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجى: و اللّه إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ليس معى رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج فى ثوب أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، و تحته حريرة خضراء، راقدا على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه و جماله، فدنوت منه رويدا فوضعت يدى على صدره فتبسم ضاحكا، و فتح عينيه لينظر إلىّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء و أنا أنظر، فقبلته بين عينيه، و أعطيته ثديى الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، و كانت تلك حاله بعد- قال أهل العلم: أعلمه اللّه تعالى أن له شريكا فألهمه العدل- قالت: فروى و روى أخوه.
ثم أخذته، فما هو إلا أن جئت به رحلى، فأقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى [و شرب أخوه حتى روى]، فقام صاحبى- تعنى زوجها- إلى شارفنا [٢] تلك، فإذا إنها لحافل [٣]، فحلب ما شرب و شربت حتى روينا، و بتنا بخير ليلة، فقال صاحبى: يا حليمة، و اللّه إنى لأراك قد أخذت نسمة مباركة، أ لم تري ما بتنا به الليلة من الخير و البركة حين أخذناه، فلم يزل اللّه يزيدنا خيرا.
قال فى رواية ذكرها ابن طغربك فى «النطق المفهوم»: فلما نظر صاحبى إلى هذا قال لى: اسكتى و اكتمى أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قواما على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار و لا نوم الليل.
قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن بعضا و ودعت أنا أم النبيّ صلى اللّه عليه و سلم-، ثم ركبت أتانى و أخذت محمدا بين يدى، قالت: فنظرت إلى الأتان و قد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات و رفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معى، و صار الناس يتعجبون منى
[١] المقصد من قولها (يتيم) أنها لن تأخذ طبيبا ممن سوف يكفله ليتمه و وفاة والده.
[٢] تقدم أن الشارف هى الناقة المسنة.
[٣] الحافل: الممتلئة الضرع من اللبن، حيث إن الحفل، هو اجتماع اللبن فى الضرع.