المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤١٤ - غزوة الطائف
بعث النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- سرية، فاستعمل رجلا من الأنصار. و أمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أ ليس قد أمركم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أن تطيعونى؟ قالوا: بلى، قال:
فاجمعوا حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوا، فهموا، و جعل بعضهم يمسك بعضا يقولون: فررنا إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال:
«لو دخلوها ما خرجوا منها» [١].
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: فى قوله: «و يقال إنها سرية الأنصاري» إشارة إلى احتمال تعدد القصة، و هو الظاهر لاختلاف سياقهما و اسم أميرهما. و يحتمل الجمع بينها بضرب من التأويل، و يبعده وصف عبد اللّه بن حذافة السهمى القريشى المهاجرى بكونه أنصاريّا. و يحتمل أن يكون الحمل على المعنى الأعم، أى أنه نصر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى الجملة. و إلى التعدد جنح ابن القيم، و أما ابن الجوزى فقال: قوله «من الأنصار» و هم من بعض الرواة، و إنما هو سهمى.
قال فى فتح البارى: و يؤيد حديث ابن عباس عند أحمد، فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٢].
نزلت فى عبد اللّه بن حذافة بن قيس بن عدى، بعثه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى سرية. انتهى.
و قال النووى: و هذا الذي فعله هذا الأمير، قيل: أراد امتحانهم، و قيل: كان مازحا، و قيل: إن هذا الرجل عبد اللّه بن حذافة السهمى، قال:
و هذا ضعيف: لأنه قال فى الرواية التي بعدها إنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره. انتهى.
ثم سرية على بن أبى طالب إلى الفلس [٣]- بضم الفاء و سكون اللام-
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٣٤٠) فى المغازى، باب: سرية عبد اللّه بن حذافة السهمى و علقمة بن مجزر المدلجى، و مسلم (١٨٤٠) فى الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية و تحريمها فى المعصية.
[٢] سورة النساء: ٥٩.
[٣] انظرها فى «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ١٢٤).