المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، و الحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، و إنما يعلمها خالقها و من أمده اللّه بنور إلهى، ثم إن تلك الحقائق يؤتى اللّه كل حقيقة منها ما يشاء فى الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قد تكون من حين خلق آدم آتاها اللّه ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، و أفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيّا، و كتب اسمه على العرش، و أخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته و غيرهم كرامته عنده [١].
«فحقيقته موجودة من ذلك الوقت و إن تأخر جسده الشريف المتصف بها، و اتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية حاصل من ذلك الوقت، و إنما يتأخر البعث و التبليغ، و كل ما له من جهة اللّه و من جهة تأهل ذاته الشريفة و حقيقته معجل لا تأخر فيه. و كذلك استنباؤه و إيتاؤه الكتاب و الحكم و النبوة، و إنما المتأخر تكونه و تنقله إلى أن ظهر صلى اللّه عليه و سلم-».
«و قد علم من هذا: أن من فسره بعلم اللّه بأنه سيصير نبيّا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم اللّه تعالى محيط بجميع الأشياء. و وصف النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بالنبوة فى ذلك الوقت ينبغى أن يفهم منه أنه أمر ثابت له فى ذلك الوقت.
و لو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير فى المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبى و آدم بين الروح و الجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم اللّه تعالى نبوتهم فى ذلك الوقت و قبله، فلا بد من خصوصية للنبى- صلى اللّه عليه و سلم- لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلاما لأمته ليعرفوا قدره عند اللّه تعالى».
و عن الشعبى [٢]: قال رجل يا رسول اللّه، متى استنبئت؟ قال: «و آدم بين الروح و الجسد، حين أخذ منى الميثاق» [٣] رواه ابن سعد، من رواية جابر الجعفى، فيما ذكره ابن رجب.
[١] لعله يشير إلى حديث شفاعة آدم حينما أذنب فذهب إلى ربه فاستشفع بمحمد- صلى اللّه عليه و سلم-، فسأله اللّه عز و جل، و ما أعلمك به؟ فقال: وجدت اسمه مكتوب على عرشك، فعرفت أنه أحب الخلق إليك ... إلى آخره، فهو ضعيف جدّا، و لا حجة فيه، و سيأتى بعد قليل.
[٢] هو: عامر بن شراحيل الشعبى، من أئمة التابعين، و على ذلك فحديثه مرسل.
[٣] مرسل: أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (٧/ ٤٢).