المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٥ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ إلى قوله:
وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [١] [٢].
قال الشيخ تقى الدين السبكى: «فى هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبى صلى اللّه عليه و سلم- و تعظيم قدره العلى ما لا يخفى، و فيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه فى زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون رسالته و نبوته عامة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، و تكون الأنبياء و أممهم كلهم من أمته، و يكون قوله: «و بعثت إلى الناس كافة» [٣] لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا. و يتبين بذلك معنى قوله- صلى اللّه عليه و سلم-:
«كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد» [٤].
«ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبى- صلى اللّه عليه و سلم- نبى الأنبياء، و لهذا ظهر فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، و فى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم.
و لو اتفق مجيئه فى زمن آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى- صلوات اللّه و سلامه عليهم- وجب عليهم و على أممهم الإيمان به و نصرته. و بذلك أخذ اللّه الميثاق عليهم». انتهى و سيأتى- إن شاء اللّه تعالى- مزيد لذلك فى المقصد السادس.
و ذكر العارف الربانى عبد اللّه بن أبى جمرة فى كتابه «بهجة النفوس»، و من قبله ابن سبع فى «شفاء الصدور» عن كعب الأحبار، قال: لما أراد اللّه تعالى أن يخلق محمدا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هى قلب الأرض و بهاؤها و نورها، قال: فهبط جبريل فى ملائكة الفردوس و ملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من موضع قبره الشريف، و هى
[١] سورة آل عمران: ٨١.
[٢] قلت: و هل يستدل على مثل هذه الأمور بأخبار لا أسانيد لها.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٣٣٥) فى التيمم، باب: و قول اللّه تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، و مسلم (٥٢١) فى المساجد، باب: رقم (١)، من حديث جابر رضى اللّه عنه-.
[٤] صحيح: و قد تقدم.