المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٦ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم فى معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش و الكرسى، و فى السماوات و الأرض و الجبال و البحار، فعرفت الملائكة و جميع الخلق سيدنا محمدا و فضله قبل أن تعرف آدم٨ [١].
و قيل: لما خاطب اللّه تعالى السماء و الأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [٢].
أجاب موضع الكعبة الشريفة. و من السماء ما يحاذيها. و قد قال ابن عباس: أصل طينة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد صلى اللّه عليه و سلم-، و من موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- هو الأصل فى التكوين، و الكائنات تبع له. و قيل: لذلك سمى أميّا لأن مكة أم القرى، و درته أم الخليقة [٣].
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة و السلام- بمكة، حيث كانت تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف- أفاض اللّه علينا من عوارفه، و تعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحى، فوقعت جوهرة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى ما يجاذى تربته بالمدينة، فكان- صلى اللّه عليه و سلم- مكيّا مدنيّا، حنينه إلى مكة و تربته بالمدينة انتهى [٤].
و فى «المولد الشريف» لابن طغربك [٥]: و يروى أنه لما خلق اللّه تعالى
[١] قلت: راوى هذا الأثر، هو كعب الأحبار، و هو أكثر الرواية عن أهل الكتاب، و من الواضح أن ذلك منها.
[٢] سورة فصلت: ١١.
[٣] قلت: و هذا كلام لا دليل عليه، و لا حجة فيه.
[٤] قلت: و هذا على صحة المقولة السابقة، و هى لم تصح أصلا.
[٥] هو: عمر بن أيوب بن أرسلان سيف الدين، أبو جعفر، المعروف بابن طغربك الدمشقى التركى، توفى سنة (٦٧٠ ه)، و كتابه اسمه «الدر النظيم فى مولد النبيّ الكريم».