المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتنى أبا محمد، قال اللّه تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد- صلى اللّه عليه و سلم- فى سرادق العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبى من ذريتك اسمه فى السماء أحمد، و فى الأرض محمد، لولاه ما خلقتك و لا خلقت سماء و لا أرضا.
و يشهد لهذا، ما رواه الحاكم فى صحيحه أن آدم٧ رأى اسم محمد- صلى اللّه عليه و سلم- مكتوبا على العرش، و أن اللّه تعالى قال لآدم لو لا محمد ما خلقتك [١].
و للّه در القائل:
و كان لدى الفردوس فى زمن الرضا * * * و أثواب شمل الأنس محكمة السدى
يشاهد فى عدن ضياء مشعشعا * * * يزيد على الأنوار فى الضوء و الهدى
فقال إلهى ما الضياء الذي أرى * * * جنود السما تعشو إليه ترددا
فقال نبى خير من وطىء الثرى * * * و أفضل من فى الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا * * * و ألبسته قبل النبيين سؤددا
فإن قلت: إن مذهب الأشاعرة [٢]: أن أفعال اللّه تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة فى خلق آدم- صلى اللّه عليهما و سلم-؟
أجيب: بأن الظاهرة من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم و المصالح التي هى غايات و منافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، و لا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال فى حقه تعالى، لما فيه من استكماله بغيره.
و النصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٣]. أى: قرنت الخلق بالعبادة، أى خلقتهم و فرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظى لا حقيقى، لأن اللّه تعالى مستغن عن المنافع، فلا
[١] ضعيف: أخرجه الحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٦٧٢)، من حديث عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- بسند ضعيف جدّا.
[٢] هى: إحدى الفرق الإسلامية، التي تخالف عقيدة أهل السنة و الجماعة، فى بعض الأمور، و إمامهم فى ذلك، أبو الحسن الأشعرى و إليه ينسبوا، توفى سنة (٤٢٤ ه).
[٣] سورة الذاريات: ٥٦.