مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٨ - ٥ كتابه
قُلتُ: أفَتُقِرُّ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلقَ؟ أم قَد بَقِيَ في نَفسِكَ شَيءٌ مِن ذَلِكَ؟
قال: إنّي مِن ذلِكَ عَلى حَدِّ وُقوفٍ، ما أتخَلَّصُ إلى أمرٍ يَنفَذُ لي فيهِ الأمرُ.
قُلتُ: أمّا إذ أبَيتَ إلّاالجَهالَةَ وَزَعَمتَ أنَّ الأشياءَ لا يُدرَكُ إلّابِالحَواسِّ فَإنّي أُخبِرُكَ أنَّهُ لَيسَ لِلحواسِّ دِلالَةٌ عَلى الأشياءِ، وَلا فيها مَعرِفَةٌ إلّابِالقَلبِ، فَإنّهُ دَليلُها وَمُعَرِّفُها الأشياءَ الّتي تَدَّعي أنَّ القَلبَ لا يَعرِفُها إلّابِها.
فَقالَ: أمّا إذ نَطَقتَ بِهذا فَما أقبَلُ مِنكَ إلّابالتَخليصِ وَالتَفَحُّصِ مِنهُ بِأيضاحٍ وَبَيانٍ وَحُجَّةٍ وَبُرهانٍ.
قُلتُ: فَأَوَّلُ ما أبدَأ بِهِ أنّكَ تَعلَمُ أَنّهُ رُبَّما ذَهَبَ الحَواسُّ، أو بَعضُها وَدَبَّرَ القَلبُ الأشياءَ الّتي فيها المَضَرَّةُ وَالمَنفَعَةُ مِنَ الأُمورِ العَلانِيَّةِ وَالخَفِيَّةِ فَأمَرَ بِها وَنَهى، فَنَفَذَ فيها أمرُهُ وَصَحَّ فيها قَضاؤُهُ.
قالَ: إنَّكَ تَقولُ في هذا قَولًا يُشبِهُ الحُجَّةَ، وَلكِنّي أُحِبُّ أن تُوَضِّحَهُ لي غَيرَ هذا الإيضاحِ.
قُلتُ: أَلَستَ تَعلَمُ أنّ القَلبَ يَبقى بَعدَ ذِهابِ الحَواسِّ؟
قالَ: نَعَم وَلكن يَبقى بِغَيرِ دَليلٍ عَلى الأشياءِ الّتي تَدُلُّ عَلَيها الحَواسُّ.
قُلتُ: أَفَلَستَ تَعلَمُ أنَّ الطِفلَ تَضَعُهُ أُمُّهُ مُضغَةً لَيسَ تَدُلُّهُ الحَواسُّ عَلَى شَيءٍ يُسمَعُ وَلا يُبصَرُ وَلا يُذاقُ وَلا يُلمَسُ وَلا يُشَمُّ؟
قال: بلى.
قُلتُ: فَأيَّةُ الحَواسِّ دَلَّتهُ عَلى طَلَبِ اللَّبَنِ إذا جاعَ، وَالضَّحِكِ بَعدَ البُكاءِ إذا رَوى مِنَ اللَّبَنِ؟ وَأيُّ حَواسِّ سِباعِ الطَّيرِ وَلاقِطِ الحَبِّ مِنها، دَلَّها عَلى أن تُلقِيَ بَينَ أفراخِها اللَّحمَ وَالحَبَّ فَتَهوي سِباعُها إلَى اللَّحمِ، وَالآخَرونَ إلى الحَبِّ؟ وَأخبِرني عَن فِراخِ طَيرِ الماءِ ألَستَ تَعلَمُ أنّ فِراخَ طَيرِ الماءِ إذا طُرِحَت فيهِ سَبَحَت، وَإذا