مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٦٢ - ٥ كتابه
وَالعُروقِ الّتي يَأخُذُ فيها الأدوِيَةُ إلى الرَّأسِ وَإلى القَدَمَينِ وَإلى ما سِوى ذلِكَ، غَيرَ خالِقِ الحَديقَةِ وَغارِسِ العَقاقيرِ، هَل كانَ يَعرِفُ زِنَتَها وَمَثاقيلَها وَقَراريطَها وَما يَصلُحُ لِكُلِّ داءٍ مِنها، وما كانَ يأخُذُ في كُلِّ عِرقٍ؟
قالَ: وَكَيفَ يَعرِفُ ذلِكَ أو يَقدِرُ عَلَيهِ، وَهذا لا يُدرَكَ بالِحَواسِّ، ما يَنبَغي أن يعرِفَ هذا إلّاالّذي غَرَسَ الحَديقَةَ وَعَرَفَ كُلَّ شَجَرَةٍ وَبَقلَةٍ وَما فيها مِنَ المنافِعِ والمَضارِّ.
قُلتُ: أفَلَيسَ كذلِكَ يَنبَغي أن يَكونَ الخالِقُ واحِداً، لأنّهُ لَو كانَ اثنَينِ أحدُهُما خالِقُ الدَّواءِ وَالآخَرُ خالِقُ الجَسَدِ وَالدّاءِ، لَم يَهتَد غارِسُ العَقاقيرِ لِإيصالِ دَوائِهِ إلى الدَّاءِ الّذي بِالجَسَدِ، مِمِّا لا علِمَ لَهُ بِهِ، ولا اهتدى خالِقُ الجَسَدِ إلى عِلمِ ما يُصلِحُ ذلِكَ الدّاءَ مِن تِلكَ العَقاقيرِ، فَلَمّا كانَ خالِقُ الدّاءِ والدَّواءِ وَاحِداً أمضَى الدَّواءَ في العُروقِ الّتي بَرَأ وَصَوَّرَ إلى الدّاءِ الّذي عَرَفَ وَوَضَعَ فَعَلِمَ مِزاجَها مِن حَرِّها وَبَردِها وَليِّنِها وَشَديدِها وما يَدخُلُ في كُلِّ دَواءٍ مِنهُ مِن القَراريطِ وَالمَثاقيلِ، وما يَصعَدُ إلى الرّأسِ مِنها، وما يَهبِطُ إلى القَدَمَينِ مِنها، وما يَتَفَرَّقُ مِنهُ فيما سِوى ذلِكَ.
قالَ: لا أشُكُّ في هذا؛ لأنّهُ لَو كانَ خالِقُ الجَسَدِ غَيرَ خالِقِ العَقاقيرِ لَم يَهتَدِ واحِدٌ مِنهُما إلى ما وَصَفتَ.
قُلتُ: فَإنَّ الّذي دَلَّ الحَكيمَ الّذي وَصَفتَ أنّهُ أوّلُ مَن خَلَطَ هذهِ الأدوِيَةَ وَدَلَّ على عَقاقيرِها المُتَفَرِّقَةِ فيما بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، وَوَضَعَ هذا الطِّبَّ على ما وَصَفتُ لَكَ، هُوَ صاحِبُ الحَديقَةِ فيما بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، وَهُوَ باني الجَسَدِ، وَهُوَ دَلَّ الحَكيمَ بِوَحيٍ مِنهُ على صِفَةِ كُلِّ شَجَرَةٍ وَبَلَدِها، وَما يَصلُحُ مِنها مِنَ العُروقِ وَالثّمارِ وَالدُّهنِ وَالوَرَقِ وَالخَشَبِ وَاللِّحاءِ، وَكذلِكَ دَلَّهُ على أوزانِها مِن مَثاقيلِها وَقَراريطِها وَما يَصلُحُ لِكُلِّ داءٍ مِنها، وَكذلِكَ هُوَ خالِقُ السِّباعِ وَالطَّيرِ وَالدَّوابِّ الّتي