مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٧٧ - ٦ محاورة المفضّل مع ابن أبي العوجاء في الحثّ على التّأمل في النّفس و الخلق لمعرفة اللَّه عز و جل
حسير، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء و الفصحاء و الخطباء، دخل النّاس في دينه أفواجاً، فقرن اسمه باسم ناموسه، فصار يهتف به على رءوس الصّوامع في جميع البلدان و المواضع الّتي انتهت إليها دعوته، و علت بها كلمته، و ظهرت فيها حجّته، برّاً و بحراً و سهلًا و جبلًا في كلّ يوم و ليلة خمس مرّات، مردّداً في الأذان و الإقامة ليتجدّد في كلّ ساعة ذكره، و لئلّا يخمل أمره.
فقال ابنُ أبي العوجاء: دع ذكر محمّد- ٦- فقد تحيّر فيه عقلي، و ضلّ في أمره فكري، و حدّثنا في ذكر الأصل الّذي نمشي به، ثمّ ذكر ابتداء الأشياء، و زعم ذلك بإهمال لا صنعة فيه و لا تقدير، و لا صانع و لا مدبّر، بل الأشياء تتكوّن من ذاتها بلا مدبّر، و على هذا كانت الدّنيا لم تزل و لا تزال!
قال المفضّل: فلم أملك نفسي غضباً و غيظاً و حنقاً.
فقلت: يا عدوّ اللَّه ألحدت في دين اللَّه، و أنكرت الباري جلّ قدسه، الّذي خلقك في أحسن تقويم، و صوّرك في أتم صوره، و نقلك في أحوالك حتّى بلغ بك إلى حيث انتهيت. فلو تفكّرت في نفسك و صدقك لطيف حسّك، لوجدت دلائل الرّبوبيّة و آثار الصّنعة فيك قائمة، و شواهده جلّ و تقدّس في خلقك واضحة و براهينه لك لائحة.
فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلّمناك، فإن ثبتت لك حجّة تبعناك، و إن لم تكن منهم فلا كلام لك، و إن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصّادق فما هكذا يخاطبنا، و لا بمثل دليلك يجادلنا، و لقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا، و لا تعدّى في جوابنا، و إنّه للحليم الرّزين، العاقل الرّصين، لا يعتريه خرق [١]، و لا طيش و لا نزق [٢] و يسمع كلامنا و يصغي إلينا
[١]. الخرق: ضعف الرأي و الحمق.
[٢]. النّزق: هو الطّيش و الخِفّة عند الغضب.