مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٧٨ - سببُ إملاء كتاب المفضّل
و يستعرف حجّتنا، حتّى استفرغنا [١] ما عندنا و ظنّنا إنّا قد قطعناه أدحض حجّتنا بكلام يسير، و خطاب قصير، يلزمنا به الحجّة، و يقطع العذر، و لا نستطيع لجوابه ردّاً، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
[سببُ إملاء كتاب المفضّل
] قال المفضّل: فخرجت من المسجد محزوناً مفكّراً فيما بلى به الإسلام و أهله من كفر هذه العصابة و تعطيلها، فدخلتُ على مولاي (صلوات الله عليه)، فرآني منكسراً فقال: ما لك؟
فأخبرته بما سمعت من الدّهريّين، و بما رددت عليهما. فقال:
لَأُلقِيَنَّ إليك مِن حِكمَةِ الباري جَلَّ وعلا وتَقَدَّسَ اسمُهُ في خَلقِ العالَمِ والسِّباعِ وَالبَهائِمِ وَالطَّيرِ والهَوامِّ وَكُلِّ ذي روحٍ مِنَ الأنعامِ وَالنَّباتِ والشَّجَرَةِ المُثمِرَةِ وَغَيرِ ذاتِ الثَّمَرِ وَالحُبوبِ وَالبُقولِ المأكولِ من ذلِكَ وَغَيرِ المَأكولِ ما يَعتَبِرَ بِهِ المُعتَبرون، وَيَسكُنُ إلى مَعرِفَتِهِ المُؤمِنونَ، وَيَتَحيَّرُ فيهِ المُلحدونَ فَبَكِّر عَلَيَّ غداً
. قال المفضّل: فانصرفت من عنده فرحاً مسروراً، و طالت عليّ تلك اللّيلة انتظاراً لما وعدني به، فلمّا أصبحت غدوتُ فاستؤذن لي فدخلت و قمت بين يديه، فأمرني بالجلوس فجلست، ثمّ نهض إلى حجرة كان يخلو فيها فنهضت بنهوضه فقال:
اتبعني.
فتبعته فدخل و دخلت خلفه، فجلس و جلست بين يديه فقال:
يا مُفضَّلُ، كأنّي بِكَ وَقَد طالَت عَلَيكَ هذهِ اللّيلَةَ انتِظاراً لِما وَعَدتُكَ؟
فقلتُ: أجل يا مولاي. فقال:
يا مُفَضَّلُ، إنَّ اللَّهَ كانَ ولا شي ءَ قَبلَهُ، وَهُوَ باقٍ ولا نِهايَةَ لَهُ، فله الحمد على ما ألهمنا، وله الشّكر على ما منحنا، وَقَد خَصَّنا مِنَ العُلومِ بِأعلاها، ومِنَ المَعالي بِأسناها، واصطفانا على جَميع الخَلقِ
[١]. لعلّه من الإفراغ بمعنى الصّب. يقال: استفرغ مجهوده، أي بذل طاقته.