مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٧ - ٩٩ وصيّته
يا هِشام؛ قَليلُ العَمَلِ مِنَ العاقِلِ مَقبولٌ مُضاعَفٌ وَكثيرُ العَمَلِ مِن أهلِ الهَوى وَالجَهلِ مَردودٌ.
يا هِشامُ؛ إنَّ العاقِلَ رَضِيَ بِالدّونِ مِنَ الدُّنيا مَعَ الحِكمَةِ، وَلَم يَرضَ بِالدُّونِ مِنَ الحِكمَةِ مَعَ الدُّنيا، فَلِذلِكَ رَبِحَت تِجارَتُهُم.
يا هِشامُ؛ إن كانَ يُغنيكَ ما يَكفيكَ فَأَدنى ما فِي الدُّنيا يَكفيكَ، وَإِن كانَ لا يُغنيكَ ما يَكفيكَ فَلَيسَ شَيءٌ مِنَ الدُّنيا يُغنيكَ.
يا هِشامُ؛ إنَّ العُقلاءَ تَرَكوا فُضولَ الدُّنيا، فَكَيفَ الذُّنوبُ؟ وَتَركُ الدُّنيا مِنَ الفَضلِ، وَتَركُ الذُّنوبِ مِنَ الفَرضِ. [١]
يا هِشامُ؛ إنَّ العُقلاءَ زَهَدوا فِي الدُّنيا وَرَغِبوا فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُم عَلِموا أنَّ الدُّنيا طالِبَةٌ وَمَطلوبَةٌ، وَالآخِرَةَ طالِبَةٌ وَمَطلوبَةٌ، فَمَن طَلَبَ الآخِرَةَ طَلِبَتهُ الدُّنيا حَتّى يَستَوفِيَ مِنها رِزقَهُ، وَمَن طَلَبَ الدُّنيا طَلِبَتهُ الآخِرَةُ، فَيَأتِيَهُ المَوتُ فَيُفسِدُ عَلَيهِ دُنياهُ وَآخِرَتَهُ.
يا هِشامُ مَن أَرادَ الغِنى بِلا مالٍ، وَراحَةَ القَلبِ مِنَ الحَسَدِ، وَالسّلامَةَ فِي الدّينِ، فَليَتَضَرَّع إلَى اللَّهِ في مَسأَلتِهِ بِأَن يُكَمِّلَ عَقلَهُ فَمَن عَقِلَ قَنَعَ بِما يَكفيهِ، وَمَن قَنَعَ بِما يَكفيهِ استَغنى، وَمَن لَم يَقنَع بِما يَكفيهِ لَم يُدرِكِ الغِنى أبَداً.
يا هِشامُ؛ إنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ حَكى عَن قَومٍ صالِحينَ أنّهُم قالوا: «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» [٢] حينَ عَلِموا أنَّ القُلوبَ تَزيغُ وَتَعودُ إلى عَماها وَرَداها [٣]، إنَّهُ لَم يَخَفِ اللَّهَ مَن لَم يَعقِل عَنِ اللَّهِ، وَمَن لَم يَعقِل عَنِ اللَّهِ لَم يَعقِد قَلبَهُ على مَعرِفَةٍ ثابِتَةٍ يُبصِرُها وَيَجِدُ حَقيقَتَها في قَلبِهِ وَلا يَكونُ أحَدٌ كذلِكَ إلّامَن كانَ قَولُهُ لِفِعلِهِ مُصَدِّقاً، وَسِرُّهُ
[١]. زاد في الكافي: «يا هشام إنّ العاقل نظر إلى الدّنيا و إلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة و نظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما».
[٢]. آل عمران: ٨.
[٣]. الرّدى: الهلاك.