مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٠ - ٥ كتابه
ثُمَّ قالَ: أخبِرني بِمَ تَحتَجُّ في مَعرِفَةِ رَبِّكَ الّذي تَصِفُ قُدرَتَهُ وَرُبوبِيَّتَهُ، وَإنَّما يَعرِفُ القَلبُ الأشياءَ كُلَّها بالدّلالاتِ الخَمسِ الّتي وَصَفتُ لَكَ.
قُلتُ: بِالعَقلِ الّذي في قَلبي، وَالدَّليلِ الّذي أحتَجُّ بِهِ في مَعرِفَتِهِ.
قال: فَأنّى يَكونُ ما تَقولُ وَأنتَ تَعرِفُ أنَّ القَلبَ لا يَعرِفُ شَيئاً بِغَيرِ الحَواسّ الخَمسِ؟ فَهَل عايَنتَ رَبَّكَ بِبَصَرِ، أو سَمِعتَ صَوتَهُ بِأُذُنٍ، أو شَمَمتَةُ بِنَسيمٍ، أو ذُقتَهُ بِفَمٍ، أو مَسَستهُ بِيَدٍ، فَأدّى ذلِكَ المَعرِفَةَ إلى قَلبِكَ؟ قُلتُ: أرَأيتَ إذ أنكَرتَ اللَّهَ وَجَحَدتَهُ- لِأنّكَ زَعَمتَ أنَّكَ لا تُحِسُّهُ بِحَواسّكَ الّتي تَعرِفُ بِها الأشياءَ- وَأقرَرتُ أنا بِهِ هَل بُدٌّ مِن أن يَكونَ أحَدُنا صادِقاً وَالآخَرُ كاذِباً؟
قال: لا.
قُلتُ: أرَأيتَ إن كانَ القَولُ قَولُكَ فَهَل يُخافُ عَلَيَّ شَيءٌ مِمّا أُخَوّفُكَ بِهِ مِن عِقابِ اللَّهِ؟
قال: لا.
قُلتُ: أَفَرَأيتَ إن كانَ كما أقولُ وَالحَقُّ في يَدي، ألَستُ قَد أخَذتُ فيما كُنتُ احاذِرُ مِن عِقابِ الخَالِقِ بِالثِّقَةِ، وَأَنَّكَ قَد وَقَعتَ بِجُحودِكَ وَإنكارِكَ في الهَلَكَةِ؟
قال: بلى.
قُلتُ: فَأيُّنا أولى بِالحَزمِ وَأقرَبُ مِنَ النَّجاةِ؟ قالَ: أنتَ، إلّاأنَّكَ مِن أمرِكَ عَلى ادِّعاءٍ وَشُبَهةٍ، وَأنا على يَقينٍ وَثِقَةٍ، لِأنّي لا أرَى حَواسّيَ الخَمسَ أدرَكَتهُ، وَما لَم تُدرِكهُ حواسّي فَلَيسَ عِندي بِمَوجودٍ.
قُلتُ: إنَّهُ لَمَّا عَجَزَت حَواسُّكَ عَن إدراكِ اللَّهِ أنكَرَتهُ، وَأنا لَمّا عَجَزَت حَواسّي عَن إدراكِ اللَّهِ تَعالى صَدَّقتُ بهِ.
قالَ: وَكيفَ ذلِكَ؟ قُلتُ: لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ جَرى فيهِ أثَرُ تَركيبٍ لَجِسمٌ، أو وَقَعَ عَلَيهِ