مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٨ - ٩٩ وصيّته
فَإِنَّ العِلمَ يَدُلُّ على أن يُملى على مَن لا يُفيقُ [١]. قُلتُ: فَإِن لَم أجِدَ مَن يَعقِلُ السُّؤالَ عَنها؟ قالَ ٧:
فَاغتَنِم جَهلَهُ عَنِ السُّؤالِ حَتّى تَسلَمَ مِن فِتنَةِ القَولِ وَعَظيمِ فِتنَةِ الرَّدِّ، وَاعلَم أنَّ اللَّهَ لَم يَرفَعِ المُتَواضِعينَ بِقَدرِ تَواضُعِهِم، وَلكِن رَفَعَهُم بِقَدرِ عَظَمَتِهِ وَمَجدِهِ، وَلَم يُؤمِنِ الخائِفينَ بِقَدرِ خَوفِهِم، وَلكِن آمَنَهُم بِقَدرِ كَرَمِهِ وَجودِهِ، وَلَم يُفّرِجِ [٢] المَحزونينَ بِقَدرِ حُزنِهِم، وَلكِن بِقَدرِ رَأَفتِهِ وَرَحمَتِهِ، فَما ظَنُّكَ بِالرّؤوفِ الرَّحيمِ الَّذي يَتَوَدَّدُ إلى مَن يُؤذيهِ بِأَوليائِهِ، فَكَيفَ بِمَن يُؤذى فيهِ؟ وَما ظَنُّكَ بِالتَّوابِ الرَّحيمِ الَّذي يَتوبُ على مَن يُعاديهِ فَكَيفَ بِمَن يَتَرَضّاهُ [٣]، وَيَختارُ عَدَاوَةَ الخَلقِ فيه؟.
يا هِشامُ؛ مَن أحَبَّ الدُّنيا ذَهَبَ خَوفُ الآخِرَةِ مِن قَلبِهِ، وَما اوتِيَ عَبدٌ عِلماً فَازدادَ لِلدُّنيا حُبّاً، إلّا ازدادَ مِنَ اللَّهِ بُعداً وَازدادَ اللَّهُ عَلَيهِ غَضَباً.
يا هِشامُ؛ إنَّ العاقِلَ اللَّبيبَ مَن تَرَكَ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، وَأكثَرَ الصَّوابَ في خِلافِ الهَوى وَمَن طالَ أملُهُ ساءَ عَمَلُهُ.
يا هِشامُ؛ لَو رَأَيتَ مَسيرَ الأَجَلِ لَأَلهاكَ عَنِ الأَملِ.
يا هِشامُ؛ إيّاكَ وَالطَّمَعَ وَعَلَيكَ بِاليَأسِ مِمّا في أيدي النّاسِ، وَأمِتِ الطَّمَعَ مِنَ المَخلوقينَ، فَإِنَّ الطَّمَعَ مِفتاحٌ لِلذُّلِّ، وَاختِلاسَ العَقلِ وَاختِلاقَ [٤] المُرُوّاتِ وَتَدنيسَ العِرضِ [٥]، والذَّهابَ بِالعِلمِ، وَعَلَيكَ بِالاعتِصامِ بِرَبِّكَ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيهِ، وَجاهِد نَفسَكَ لِتَرُدَّها عَن هَواها، فَإِنَّهُ واجِبٌ عَلَيكَ كَجِهادِ عَدُوِّكَ.
قالَ هِشامُ: فَقُلتُ لَهُ: فَأَيُّ الأَعداءِ أوجَبُهُم مُجاهَدَةً؟ قالَ ٧: أقرَبُهُم إلَيكَ، وَأَعداهُم لَكَ
[١]. الإفاقة: الرّجوع عن الكسر و الإغماء و الغفلة إلى حال الاستقامة. و في بعض النّسخ: «فإنّ العلم يذلّ على أن يحمل على من لا يفيق» و في بعضها: «يجلى».
[٢]. في بعض النّسخ: «يفرح».
[٣]. يترضّاه: أي يطلب رضاه.
[٤]. الاختلاق: الافتراء. و في بعض النّسخ: «و أخلاق». و الظّاهر أنّه جمع خلق- بالتحريك- أي البالي.
[٥]. العرض: النّفس و الخليقة المحمودة- و أيضاً-: ما يفتخر الإنسان من حسب و شرف.