مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٧ - ٩٩ وصيّته
وَاستَطال عَلَيهِم [١] فَقَد ضادَّ اللَّهَ، وَمَن ادَّعى ما لَيسَ لَهُ فَهُوَ أعني لِغَيرِ رُشدِهِ.
يا هِشام؛ أوحَى اللَّهُ تَعالى إلى داوودَ ٧: يا داوودُ حَذِّر وَأَنذِر أصحابَكَ عَن حُبِّ الشَّهواتِ، فَإِنَّ المُعَلَّقَةَ قُلوبُهُم بِشَهَواتِ الدُّنيا قُلوبُهُم مَحجوبَةٌ عَنِّي.
يا هِشامُ؛ إيّاكَ وَالكِبرَ على أوليائي وَالاستِطالَةَ بِعلمِكَ فَيَمقُتَكَ اللَّهُ، فَلا تَنفَعُكَ بَعدَ مَقتِهِ دُنياكَ وَلا آخِرَتُكَ، وَكُن فِي الدُّنيا كَساكِنِ دارٍ لَيَست لَهُ إنَّما يَنتَظِرُ الرَّحيلَ.
يا هِشامُ؛ مُجالَسَةُ أهلِ الدّينِ شَرَفُ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَمُشاوَرَةُ العاقِلِ النّاصِحِ يُمنٌ وبَرَكَةٌ وَرُشدٌ وَتَوفيقٌ مِنَ اللَّهِ، فَإِذا أشارَ عَلَيكَ العاقِلُ النّاصِحُ فَإِيّاكَ وَالخِلافَ، فَإِنَّ في ذلِكَ العَطَبَ. [٢]
يا هِشامُ؛ إيّاكَ وَمُخالَطَةَ النّاسِ وَالانسَ بِهِم، إلّاأن تَجِدَ مِنهُم عاقِلًا وَمَأموناً، فَآنِس بِهِ وَاهرَب مِن سائِرِهِم كَهَرَبِكَ مِن السِّباعِ الضّارِيَةِ [٣]. وَيَنبغي لِلعاقِلِ إذا عَمِلَ عَمَلًا أن يَستَحيي مِنَ اللَّهِ، وَإِذا تَفَرَّدَ لَهُ بِالنِّعَمِ أن يُشارِكَ في عَمَلِهِ أحَداً غَيرَهُ [٤]، وَإِذا مَرَّ بِكَ [٥] أمرانِ لا تَدري أيُّهُما خَيرٌ وَأَصوَبُ فَانظُر أيَّهما أقرَبَ إلى هواكَ فَخالِفهُ، فَإِنَّ كَثيرَ الصَّوابِ في مُخالَفةِ هَواكَ، وَإِيَّاكَ أن تَغلِبَ الحِكمَةَ وَتَضَعَها في أهلِ الجَهالَةِ [٦].
قالَ هِشامُ: فَقُلتُ لَهُ: فَإِن وَجَدتُ رَجُلًا طالِباً لَهُ، غَيرَ أنَّ عَقلَهُ لا يَتَّسِعُ لِضَبطِ ما الِقيَ إلَيهِ؟
قالَ ٧: فَتَلَطَّفَ لَهُ فِي النَّصيحَةِ، فَإِن ضاقَ قَلبُهُ فَلا تُعَرِضَنَّ نَفسَكَ لِلفِتنَةِ، وَاحذَر رَدَّ المُتَكَبِّرينَ،
[١]. استطال عليهم: أي تفضّل عليهم.
[٢]. العطب: الهلاك.
[٣]. الضّاري: الحيوان السّبع، من ضرا الكلب بالصّيد يضْرو: تعوَّده و أوْلع به. و أيضاً: تطعم بلحمه و دمه.
[٤]. أي إذا اختصّ العاقل بنعمة ينبغي له أن يشارك غيره في هذه النّعمة بأن يعطيه منها. و في بعض النّسخ: «إذ تفرّد له».
[٥]. في بعض النّسخ: «و إذا خرّ بك أمران»، و خرّ به أمر: أي نزل به و أهمّه.
[٦]. قال المجلسي (رحمه الله): كأنّ فيه حذفاً و إيصالًا أي تغلب على الحكمة أي يأخذها منك قهراً مَن لا يستحقّها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فإنّها تأبى عمّن لا يستحقّها. و يحتمل أن يكون بالفاء و التّاء من الإفلات بمعنى الإطلاق فإنّهم يقولون: انفلت منّي كلام أي صدر بغير رويّة.
و في بعض النّسخ المنقولة من الكتاب: «و إيّاك أن تطلب الحكمة و تضعها في الجهّال».