مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٦ - ٩٩ وصيّته
العَقلُ، فَإِذا كانَ العَبدُ عاقِلًا كانَ عالِماً بِرَبِّهِ، وَإِذا كانَ عالِماً بِرَبِّهِ أبصَرَ دينَهُ، وَإن كانَ جاهِلًا بِرَبِّهِ لَم يَقُم لَهُ دينٌ، وَكَما لا يَقومُ الجَسَدُ إلّابِالنَّفسِ الحَيَّةِ، فَكذلِكَ لا يَقومُ الدّينُ إلّابِالنِّيَّةِ الصّادِقَةِ وَلا تَثبُتُ النِّيَّةُ الصّادِقَةُ إلّابِالعَقلِ.
يا هِشامُ؛ إنَّ الزَّرعَ يَنبُتُ فِي السَّهلِ وَلا يَنبُتُ فِي الصَّفا [١]، فَكَذلِكَ الحِكمَةُ تَعمُرُ في قَلبِ المُتَواضِعِ وَلا تَعمُرُ في قَلبِ المُتَكَبِّرِ الجَبّارِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ التَّواضُعَ آلَةُ العَقلِ وَجَعَلَ التَّكَبُّرَ مِن آلَةِ الجَهلِ، ألَم تَعلَم أنَّ مَن شَمَخَ [٢] إلَى السَّقفِ بِرَأسِهِ شَجَّهُ [٣] وَمَن خَفَضَ رَأسَهُ استَظَلَّ تَحتَهُ وأَكَنَّهُ، وَكَذلِكَ مَن لَم يَتَواضَع للَّهِ خَفَضَهُ اللَّهُ، وَمَن تَواضَعَ للَّهِ رَفَعَهُ.
يا هِشامُ، ما أقبَحَ الفَقرَ بَعدَ الغِنى! وَأقَبحَ الخَطيئَةَ بَعدَ النُّسُكِ! وَأقبَحُ مِن ذلِكَ العابِدُ للَّهِ ثُمَّ يَترُكُ عِبادَتَهُ.
يا هِشامُ؛ لا خَيرَ فِي العَيشِ إلّالِرَجُلَينِ: لِمُستَمِعٍ واعٍ، وَعالِمٍ ناطِقٍ.
يا هِشامُ؛ ما قُسِّمَ بَينَ العِبادِ أفضَلُ مِنَ العَقلِ، نَومُ العاقِلِ أفضَلُ مِن سَهَرِ الجاهِلِ، وَما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إلّاعاقِلًا، حَتّى يَكونَ عَقلُهُ أفضَلَ مِن جَميعِ جَهدِ المُجتَهدينَ، وَما أدَّى العَبدُ فَريضَةً مِن فرائِضِ اللَّهِ حَتّى عَقِلَ عَنهُ.
يا هِشامُ؛ قالِ رَسولُ اللَّهِ ٦: إذا رَأيتُم المُؤمِنَ صَموتاً فَادنوا مِنهُ، فَإنَّهُ يُلقي الحِكمَةَ، وَالمُؤمِنُ قَليلُ الكَلامِ كَثيرُ العَمَلِ، وَالمُنافِقُ كَثيرُ الكَلامِ قَليلُ العَمَلِ.
يا هِشامُ، أوحَى اللَّهُ تَعالى إلى داوودَ ٧: قُل لِعبادي: لا يَجعلوا بَيني وَبَينَهُم عالِماً مَفتوناً بِالدُّنيا فَيَصُدُّهُم عَن ذِكري، وَعَن طَريقِ مَحَبَّتي وَمُناجاتي، اولئِكَ قُطّاعُ الطَّريقِ مِن عِبادي، إنّ أدنى ما أَنا صانِعٌ بِهِم أن أنزَعَ حَلاوَةَ مَحَبَّتي وَمُناجاتي مِن قُلوبِهِم.
يا هِشامُ؛ مَن تَعَظَّمَ في نَفسِهِ لَعَنَتهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ وَمَلائِكَةُ الأَرضِ، وَمَن تَكَبَّرَ على إخوانِهِ
[١]. الصّفا: الحجر الصّلد الضّخم.
[٢]. شمخ- من باب منع-: علا و رفع.
[٣]. أي كسره و جرحه.