مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٩ - ٥ كتابه
طُرِحَت فيهِ فِراخُ طَيرِ البَرِّ غَرَقَت، وَالحَواسُّ واحِدَةٌ، فَكَيفَ انتفَعَ بالحَواسِّ طَيرُ الماءِ وَأعانَتهُ عَلى السِّباحَةِ وَلَم تَنتَفِع طَيرُ البَرِّ في الماءِ بِحَواسِّها؟ وَما بالُ طَيرِ البَرِّ إذا غَمَستَها في الماءِ ساعَةً ماتَت وإذا أمسَكتَ طَيرَ الماءِ عَنِ الماءِ ساعَةً ماتَت؟ فَلا أرى الحَواسَّ في هذا إلّامُنكَسِرَةً عَلَيكَ، وَلا يَنبغي ذلِكَ أن يَكونَ إلّامِن مُدَبِّرٍ حَكيمٍ جَعَلَ لِلماءِ خَلقاً وَلِلبَرِّ خَلقاً.
أم أخبِرني ما بالُ الذَّرَّةِ الّتي لا تُعايِنُ الماءَ قَطُّ تُطرَحُ في الماءِ فَتَسبَحُ، وَتَلقى الإنسانَ ابنَ خَمسينَ سَنَةً مِن أقوى الرِّجالِ وَأعقَلِهِم لَم يَتَعَلّمِ السِّباحَةَ فَيَغرَقُ؟ كَيفَ لَم يَدُلُّهُ عَقلُهُ وَلُبُّهُ وَتَجارِبُهُ وَبَصَرُهُ بِالأشياءِ مَعَ اجتِماعِ حَواسِّهِ وصِحَّتِها أن يُدرِكَ ذلِكَ بِحواسّهِ كَما أدرَكَتهُ الذَّرَّةُ إن كانَ ذلِكَ إنَّما يُدرَكُ بِالحَواسِّ؟ أفَلَيسَ يَنبَغي لَكَ أن تَعلَمَ أنَّ القَلبَ الّذي هُوَ مَعدِنُ العَقلِ في الصَّبيِّ الّذي وَصَفتَ وَغَيرِهِ مِمَا سَمِعتَ مِنَ الحَيوانِ هُوَ الّذي يُهَيّجُ الصَّبِيَّ إلى طَلَبِ الرِّضاعِ، وَالطَّيرَ اللّاقِطَ عَلى لَقطِ الحَبِّ، وَالسِّباعِ عَلى ابتلاعِ اللّحمِ.
قالَ: لَستُ أجِدُ القَلبَ يَعلَمُ شَيئاً إلّابالحَواسِّ!
قُلتُ: أمّا إذ أبَيتَ إلّاالنُّزوعَ إلى الحَواسِّ فَإنّا لَنَقبَلُ نُزوعَكَ إلَيها بَعدَ رَفضِكَ لَها، وَنُجيبُكَ فِي الحَواسِّ حَتَّى يَتَقَرَّرَ عِندَكَ أنَّها لا تَعرِفُ مِن سائِرِ الأشياءِ إلّا الظّاهِرَ مِمَّا هُوَ دونَ الرَّبِّ الأعلى سُبحانَهُ وَتَعالى.
فَأمّا ما يَخفى وَلا يَظهَرُ فَلَيسَت تَعرِفُهُ، وَذلِكَ أنَّ خالِقَ الحَواسِّ جَعَلَ لَها قَلباً احتَجَّ بِهِ عَلى العِبادِ، وَجَعَلَ لِلحَواسِّ الدِّلالاتِ عَلى الظّاهِرِ الّذي يُستَدَلُّ بِها عَلى الخالِقِ سُبحانَهُ، فَنَظَرَتِ العَينُ إلى خَلقٍ مُتَّصِلٍ بَعضُهُ بِبَعضٍ فَدَلَّتِ القَلبَ عَلى ما عايَنَت، وَتَفَكَّرَ القَلبُ حينَ دَلَّتهُ العَينُ عَلى ما عايَنَت مِن مَلَكوتِ السَّماءِ وَارتِفاعِها فِي الهَواءِ بِغَيرِ عَمَدٍ يُرى، وَلا دعائِمَ تُمسِكُها، لا تُؤَخّرُ مَرَّةً فَتَنكَشِطُ، وَلا تُقَدِّمُ أُخرى فَتَزولُ، ولا تَهبِطُ مَرَّةً فَتَدنو، وَلا تَرتَفِعُ أُخرى فَتَنأى، لا تَتَغَيَّرُ لِطولِ الأَمَدِ،