مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤١ - ٥ كتابه
المُتَحَرِّكَةُ لَم تَكفُف عَنِ التَّحَرُّكِ، وَلَم تَهدِم طائِفَةً وَتُعَفّي أُخرى، وَلَم تَقلَع شَجَرَةً وَتَدَع أُخرى إلى جَنبِها، وَلَم تُصِب أرضاً وَتَنصَرِف عَن أُخرى، فَلَمّا تَفَكَّرَ القَلبُ في أمرِ الرّيحِ عَلِمَ أنَّ لَها مُحَرِّكاً هُوَ الّذي يَسوقُها حَيثُ يَشاءُ، وَيُسكِنُها إذا شاءَ، وَيُصيبُ بِها مَن يَشاءُ، وَيَصرِفُها عَمَّن يَشاءُ، فَلَمّا نَظَرَ القَلبُ إلى ذلِكَ وَجَدَها مُتَّصِلَةً بِالسَّماءِ وَما فيها مِنَ الآياتِ، فَعَرَفَ أنَّ المُدَبِّرَ القادِرَ عَلى أن يُمسِكَ الأرضَ وَالسَّماءَ هُوَ خالِقُ الرّيحِ وَمُحَرِّكُها إذا شاءَ، وَمُمسِكُها كَيفَ شاءَ، وَمُسَلِطُها عَلى مَن يَشاءُ.
وَكَذلِكَ دَلَّتِ العَينُ وَالأُذُنُ القَلبَ عَلى هذهِ الزّلزِلَةَ، وَعَرَفَ ذلِكَ بِغَيرِهِما مِن حواسِّهِ، حينَ حَرَكَتِهِ فَلَمَّا دَلَّ الحَواسَّ عَلى تَحريكِ هذا الخَلقِ العَظيمِ مِنَ الأرضِ في غِلَظِها وَثِقلِها، وَطولِها وَعَرضِها، وَما عَلَيها مِن ثِقلِ الجِبالِ وَالمِياهِ وَالأنامِ وَغيرِ ذلِكَ، وإنَّما تَتَحَرَّكُ في ناحِيَةٍ وَلَم تَتَحَرَّك في ناحِيَةٍ أُخرى، وَهِي مُلتَحِمَةٌ جَسَداً واحِداً، وَخَلقاً مُتَّصِلًا بِلا فَصلٍ وَلا وَصلٍ، تَهدِمُ ناحِيَةً وتَخسِفُ بِها وَتَسلَمُ أُخرى، فَعِندَها عَرَفَ القَلبُ أنَّ مُحَرِّكَ ما حَرَّكَ مِنها هُوَ مُمسِكُ ما أمسَكَ مِنها، وَهُو مُحَرّكُ الرّيحِ وَمُمسِكُها، وَهُوَ مُدبِّرُ السَّماءِ وَالأرضِ وَما بَينَهُما، وَأنَّ الأرضَ لَو كانَت هِيَ المُزَلزِلَةُ لِنَفسِها لَما تَزَلزَلَت وَلَما تَحَرَّكَت، وَلكِنَّهُ الّذي دَبَّرَها وَخَلَقَها حَرَّكَ مِنها ما شاءَ.
ثُمَّ نَظَرَتِ العَينُ إلى العَظيمِ مِنَ الآياتِ مِنَ السَّحابِ المُسَخَّرِ بَينَ السَّماءِ وَالأرضِ بِمَنزِلَةِ الدُّخانِ لا جَسَدَ لَهُ يُلمَسُ بِشَيءٍ مِنَ الأرضِ وَالجِبالِ، يَتَخَلَّلُ الشَّجَرَةَ فَلا يُحَرِّكُ مِنها شَيئاً، وَلا يَهصُرُ مِنها غُصناً، ولا يَعلَقُ مِنها بِشَيءٍ يَعتَرِضُ الرُّكبانَ فَيَحولُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ مِن ظُلمَتِهِ وَكَثافَتِهِ، وَيَحتَمِلُ مِن ثِقلِ الماءِ وَكَثرَتِهِ ما لا يَقدِرُ على صِفَتِهِ، مَعَ ما فيهِ مِنَ الصَّواعِقِ الصَّادِعَةِ، وَالبُروقِ اللّامِعَةِ، وَالرَّعدِ وَالثَّلجِ وَالبَردِ وَالجَليدِ ما لا تَبلُغُ الأوهامُ صِفَتَهُ وَلا تَهتدي القُلوبُ إلى كُنهِ عَجائِبِهِ،