مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٠ - ٥ كتابه
وَلا تَخلَقُ لاختِلافِ اللّيالي وَالأَيّامِ، وَلا تَتَداعى مِنها ناحِيَةٌ، ولا يَنهارُ مِنها طَرَفٌ، مَعَ ما عَايَنَت مِنَ النُّجومِ الجارِيَةِ السَّبعَةِ المُختَلِفَةِ بِمَسيرِها لِدَوَرانِ الفُلكِ، وَتَنَقُّلِها في البُروجِ يَوماً بَعدَ يَومٍ، وَشَهراً بَعدَ شَهرٍ وَسَنَةً بَعدَ سَنَةٍ، مِنها السَّريعُ، وَمِنها البَطي ءُ،، وَمِنها المُعتَدِلُ السَيرِ، ثُمَّ رُجوعُها واستِقامَتُها، وَأخذُها عَرضاً وَطولًا، وَخُنوسُها عِندَ الشَّمسِ وَهِيَ مُشرِقَةٌ، وَظُهورُها إذا غَرُبَت، وَجَريُ الشَّمسِ وَالقَمَرِ في البُروجِ دائِبَينِ لا يَتَغَيَّرانِ في أزمِنَتِهِما وَأوقاتِهِما، يَعرِفُ ذلِكَ مَن يَعرِفُ بِحسابٍ مَوضوعٍ، وَأمرٍ مَعلومٍ، بِحِكمَةٍ يَعرِفُ ذَووا الألبابِ أنَّها لَيسَت مِن حِكمَةِ الإنسِ، وَلا تَفتيشِ الأوهامِ، وَلا تَقليبِ التَّفَكُّرِ، فَعَرَفَ القَلبُ حينَ دَلَّتهُ العَينُ عَلى ما عايَنَت أنّ لِذلِكَ الخَلقِ وَالتَّدبيرِ وَالأمرِ العَجيبِ صانِعاً يُمسِكُ السَّماءَ المُنطَبِقَةَ أن تَهوى إلى الأرضِ وَأنَّ الّذي جَعَلَ الشَّمسَ وَالنُّجومَ فيها خالِقُ السَّماءِ، ثُمَّ نَظَرَتِ العَينُ إلى ما استَقَلَّها مِنَ الأرضِ فَدَلَّتِ القَلبَ عَلى ما عايَنَت، فَعَرَفَ القَلبُ بِعَقلِهِ أنَّ مُمسِكَ الأرضِ المُمتَدَّةُ أن تَزولَ أو تَهوي في الهَواءِ- وَهُوَ يَرى الرّيشَةَ يُرمى بِها فَتَسقُطُ مَكانَها، وَهِيَ في الخِفَّةِ عَلى ما هِيَ عَلَيهِ- هُوَ الّذي يُمسِكُ السَّماءَ الّتي فَوقَها، وَأنَّه لَولا ذلِكَ لَخُسِفَت بِما عَلَيها مِن ثِقلِها وَثِقلِ الجِبالِ وَالأنامِ وَالأشجارِ وَالبُحورِ والرِّمالِ، فَعَرَفَ القَلبُ بِدِلالَةِ العَينِ أنَّ مُدَبِّرَ الأرضِ هُوَ مُدَبِّرُ السَّماءِ.
ثُمَّ سَمِعَتِ الأُذنُ صَوتَ الرِّياحِ الشَّديدَةِ العاصِفَةِ وَاللّيّنة الطّيّبة، وَعايَنَتِ العَينُ ما يُقلَعُ مِن عِظامِ الشَّجَرِ، وَيُهدَمُ مِن وَثيقِ البُنيانِ، وَتُسفَى مِن ثِقالِ الرِّمالِ، تُخَلّي مِنها ناحِيَةً وَتَصُبُّها في أُخرى، بلا سائِقٍ تُبصِرُهُ العَينُ، وَلا تَسمَعُهُ الأُذُنُ، وَلا يُدرَكُ بِشَيءٍ مِنَ الحَواسِّ، وَلَيسَت مُجَسَّدَةً تُلمَسُ وَلا مَحدودَةً تُعايَنُ، فَلَم تَزِدِ العَينُ والأُذُنُ وَسائِرُ الحَواسِّ عَلى أن دَلَّتِ القَلبَ أنَّ لَها صانِعاً، وَذلِكَ أنَّ القَلبَ يُفَكِّرُ بِالعَقلِ الّذي فيهِ، فَيَعرِفُ أنَّ الرّيحَ لَم تَتَحَرَّكَ مِن تِلقائِها وَأنَّها لَو كانَت هِيَ