منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٥٠ - تنبيه
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
فقلت من أنت يا هذا الذي تكلّمني و تحدّثنى؟ قال: أنا منبّه، قلت: و ما منبّه؟
قال: أنا ملك و كلنى اللّه بجميع خلقه لأنبّههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي اللّه.
ثمّ إنّه جذبني و أجلسني و قال لي: اكتب عملك و مالك و ما عليك في دار الدّنيا، قلت: انى لا احصيه و لا أعرفه، قال: أو ما سمعت قول ربّك: أحصيه اللّه و نسوه؟ ثمّ قال لي: اكتب الآن و أنا أملي عليك، فقلت: أين البياض؟ فجذب جانبا من كفنى فاذا هو رقّ فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم؟ قال: سبّابتك، فقلت: من أين المداد؟ فقال: ريقك.
ثمّ أملى علىّ جميع ما فعلته في دار الدّنيا من أوّل عمرى إلى آخره، فلم يبق من أعمالى صغيرة و لا كبيرة، ثمّ تلى علىّ:
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.
ثمّ إنّه أخذ الكتاب و ختمه بخاتم و طوّقه في عنقى فخيّل لي أنّ جبال الدّنيا جميعا قد طوّقها في عنقى، فقلت له: يا منبّه و لم تفعل بي هكذا؟ قال:
ألم تسمع قول ربّك وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً.
فهذا ما تخاطب به يوم القيامة و يؤتى بك و بكتابك بين عينيك منشورا لتشهد به على نفسك.
ثمّ انصرف عنّى فبقيت أبكى على نفسي على حسرة الدّنيا و أقول: يا ليتني