منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤١٨ - أسباب الزلفى و التقرب كثيرة
و محصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال و لا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، و للتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهّكّم، لأنّ من يكنز الذّهب و الفضّة فانما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة، و التوسل الى الفرج يوم الشدّة فقيل له: هذا هو الوجاهة و الفرج كما يقال تحيّتهم ليس إلّا الضرب و إكرامهم ليس إلّا الشتم «يوم يحمى عليها» أى يوقد على الكنوز «فى نار جهنّم» حتى تصير نارا «فتكوى بها» أى بتلك الأموال و الكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة «جباههم و جنوبهم و ظهورهم» و تخصيص هذه الأعضاء بالكىّ بوجوه.
أحدها أنّ منظورهم بكسب الأموال و ترك الانفاق ليس إلّا الأغراض الدّنيويّة و هو حصول الوجاهة لهم عند النّاس و حصول الشّبع لهم بأكل الطّيبات فينفتح منه الجنبان و لبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فوقع الكىّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.
الثاني أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن و الجنون عن طرفيه و الظهور عن المآخير، و المراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن.
الثالث أنّ الجبهة محلّ السّجود فلم يقم فيه بحقّه و الجنب مقابل القلب الّذي لم يخلص في معتقده، و الظّهر محلّ الأوزار قال: يحملون أوزارهم على ظهورهم.
الرّابع أنّ هذه الأعضاء مجوفة و ليست بمصمتة و في داخلها آلات ضعيفة يعظم التألم بسبب وصول أدنى أثر اليها، بخلاف ساير الأعضاء.
الخامس و هو أحسن الوجوه و ألطفها أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أوّلا قبض جبهته و عبس وجهه و إذا دار الفقير يوليه جنبه و إذا دار يولّيه ظهره و قوله «هذا ما كنزتم لأنفسكم» أى يقال لهم في حالة الكىّ هذا هو الذى ادّخرتموه لأنفسكم، و هو تبكيت لهم بأنّ المال الذى بخلتم بانفاقه و ادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به، فكأنّكم أكنزتموه ليجعل عقابا لكم «فذوقوا» عقاب «ما كنتم تكنزون» به لا بغيره.