منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٠٩ - أسباب الزلفى و التقرب كثيرة
الوصول اليها و تقرع بيد السّؤال بابه بزعم استقلاله فيها لا باعتقاد أنه واسطة في ايصالها إليك و آلة لوصولها إلى يديك فتشكره بذلك، ففي تسميتك و تحميدك نقصان و أنت بقدر التفاتك إلى غيره كاذب فيهما.
ثمّ اعلم أنّك تأسّيت في تحميدك للّه بالملائكة المقرّبين حيث قالوا قبل أن يخلق اللّه سبحانه هذه النشأة: نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك، و بعباد اللّه الصّالحين، حيث إنّهم بعد ما يحكم بينهم و بين المجرمين يوم الحاقة بالحقّ فيحمدون ربهم كما اخبر عنهم بقوله: و قضي بينهم بالحقّ و قيل الحمد للّه ربّ العالمين، و بعد ما يعتبرون الصراط و يجدون رايحة الجنان يقولون: الحمد للّه الذي هدانا لهذا، و بعد ما يتمكنون في قصور الجنّات و يجلسون وسط الرّوضات يقولون: الحمد للّه الذي صدقنا وعده، و بعد ما ينالون غاية الآمال و يجزون الحسنى بالأعمال يكون آخر كلامهم حمد الرّب المتعال، و آخر دعويهم أن الحمد للّه رب العالمين، فاذا كان بدية العالم و نهايته مبنيّة على الحمد فاجتهد أن يكون بداية عملك و نهايته كذلك، و كما أنّ حمد هؤلاء المقرّبين ناش عن وجه الاخلاص و اليقين، فليكن ثناؤك كذلك و إذا قلت: ربّ العالمين، فاعلم أنّه سبحانه مربّيك و مربّي ساير الخلائق أجمعين، حيث إنه خلقهم و ساق اليهم أرزاقهم و دبّر امورهم و قام بمصالحهم و بدء بالآمال قبل السؤال، و أنه رباهم بعظيم ما لديه من دون جلب ربح و منفعة منهم إليه كما هو شأن ساير المربّين و المحسنين فانهم انما يربون و يحسنون ليربحوا على ذلك و ينتفعوا بذلك إما ثوابا أو ثناء، فاذا كان تربيته كذلك فلينبعث منك مزيد شوق و رجاء إلى فضله و نواله.
و ليشتدّ ذلك الرّجاء إذا قلت: الرّحمن الرّحيم، فانّ رحمته سبحانه لانهاية لها، فبرحمته الرّحمانية خلق الدّنيا و ما فيها، و برحمته الرّحيميّة يجزى لمؤمنين الجزاء الأوفى، و هو الذي ينادى عبده و يشرفه بألطف الخطاب حين ما وارده في التراب، و ودّعه الأحباب و يقول: عبدي بقيت فريدا وحيدا فأنا أرحمك اليوم رحمة يتعجّب الخلائق منها.