منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٨٦ - و أما الثالث منها
و هو كذلك، فانّ كلّ عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاصّ به و مرضه أن يتعذّر عليه فعله الذي خلق لأجله حتّى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه بنوع من الاضطرار.
فمرض اليد أن يتعذّر عليها البطش، و مرض الاذن أن يتعذّر عليها السّماع و مرض العين أن يتعذّر عليها الابصار، و مرض اللسان أن يتعذّر عليه التكلّم، و مرض القلب أن يتعذّر عليه فعله الخاص الذي خلق لأجله و هو العلم و الحكمة و المعرفة و حبّ اللّه و عبادته و التلذّذ بذكره و إيثاره ذلك على غيره و الاستعانة بجميع الأعضاء عليه كما قال:
وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ففي كلّ عضو فايدة مخصوصة، و فائدة القلب الحكمة و المعرفة و خاصية النفس التي للآدمى ما يتميّز بها عن البهايم، فانه لم يتميّز عنها بالقوّة على الأكل و الوقاع و الابصار و نحوها، بل بمعرفة الأشياء على ما هى عليه و أصل الأشياء و موجدها و مخترعها هو اللّه سبحانه، فلو عرف كلّ شيء و لم يعرف اللّه تعالى فكأنه لم يعرف شيئا، و هو علامة لمرض قلبه كما أنّه لو لم يؤثر المواعظ و النصايح فى اذنه، و العبر و الآيات في نظره و لم يجرى الحقّ على لسانه عرف بذلك أنّ هذه الجوارح منه مريضة، لكونها علامات لمرضها يستدلّ بها عليها فلا بدّ له من معالجتها و الخلاص من ألمها.
و ربّما يحصل له الغفلة عن مرضه فلا يمكن له العلاج بنفسه، فيلزم حينئذ وجود طبيب حاذق دوّار بطبّه لينبّهه على مرضه و يداوى له، و ليس ذلك إلّا أمير المؤمنين ٧ و الطيّبون من أولاده، فانّ غيرهم من الأطبّاء أعنى ساير العلما قد استولى عليهم المرض، و الطبيب إذا كان بنفسه مريضا كيف يعالج غيره، فهو طبيب الهى متتبّع بدوائه مواضع الغفلة و مواطن الحيرة معالج لأمراض القلوب و أسقام الأرواح و النفوس و آفات الأعضاء و المشاعر.