منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٦ - الفائدة الثانية
و أما مسارقة الطبع مما يشاهده من اخلاق النّاس و أعمالهم فهو داء دفين قلّما يتنبّه له العقلا فضلا عن الغافلين، فلا يجالس الانسان فاسقا مدّة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلّا و لو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد، فاستثقاله اذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه و استعظامه له، و إنّما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب، فاذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أو شك أن تنحلّ القوّة الوازعة و يذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه و مهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استصغر الصّغاير و استحقرها من نفسه.
و لذلك يزدرى إلى الأغنياء نعمة اللّه عليه، فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده و تؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما ابيح له من النعم و كذلك النظر إلى المطيعين و العاصين و هذا تأثيره في الطبع.
فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال أولياء الدّين و السّلف الصّالحين في العبادة و المجاهدة و الزّهد عن الدّنيا لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار، و إلى عبادته بعين الاستحقار فيجتهد في العبادة و يرغب في الطاعة و يزهد في الدّنيا استكمالا و استتماما للاقتداء بهم و الحذو بمثلهم و من نظر إلى غالب أهل الزمان و رأى اعراضهم عن اللّه و إقبالهم على الدّنيا و اعتيادهم المعاصى استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه، و ذلك هو الهلاك و يكفى في تغيير الطبع مجرّد سماع الخير و الشّر فضلا عن مشاهدته.
فبهذه النكتة يعرف سرّ قوله: عند ذكر الصّالحين ينزل الرّحمة، و إنّما الرّحمة دخول الجنة و لقاء الحقّ، و لا ينزل عند ذكر الصّالحين عين ذلك و لكن سببه الذي هو انبعاث الرغبة من القلب و حركة الحرص على الاقتداء بهم و الاستنكاف عمّا هو ملابس له من القصور و التقصير، و مبدء الرحمة فعل الخير و مبدء فعل الخير الرغبة و مبدء الرغبة ذكر أحوال الصّالحين فهذا معنى نزول الرحمة.
و يفهم من فحوى ذلك أنّ عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة، لأنّ كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي و اللعنة هى البعد من الحقّ و مبدء البعد هو المعاصي