منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٥ - الفائدة الثانية
و دوائه النّافع له.
و أمّا الثاني أعني الرّياء في العادات فكلّ من خالط النّاس داراهم و من داراهم رءاهم و من رءاهم وقع فيما وقعوا فيه و هلك، و أقل ما يلزم فيه النّفاق فانك إن ترى متعاديين و لم تلق كلّ واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا، و إن جاملتهما كنت عن شرار النّاس.
قال ٧ انّ من شرار النّاس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه و هؤلاء بوجه و في الكافي باسناده عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ٧ من لقى المسلمين بوجهين و لسانين جاء يوم القيامة و له لسان من نار.
و عن عبد الرّحمن بن حماد رفعه قال: قال اللّه تبارك و تعالى لعيسى ٧ يا عيسى لتكن لسانك في السّر و العلانية لسانا واحدا و كذلك قلبك، إنّي احذّرك نفسك و كفى بى خبير الا يصلح لسانان في فم واحد و لا سيفان في غمد واحد و لا قلبان في صدر واحد و كذلك الأذهان.
و أقلّ ما يجب في مخالطة الناس اظهار الشوق و المبالغة فيه و لا يخلو ذلك عن كذب إمّا في الأصل و إمّا في الزيادة و اظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك كيف أنت و كيف أهلك و أنت في الباطن فارغ عن همومه و هو نفاق محض و آية ذلك أنّك تقول كيف أنت و يقول الآخر كيف أنت، فالسّائل لا ينتظر بالجواب و المسئول يشتغل بالسؤال و لا يجيب، و ذلك لمعرفتهم بأنّ ذلك عن رياء و تكلّف، و لعلّ القلوب لا تخلو من ضغائن الأحقاد و الألسن تنطق بالسؤال.
قال بعضهم: انّى لأعرف أقواما كانوا لا يتلاقون و لو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ماله لبذله، و أرى الآن أقواما يتلاقون و يتساءلون حتّى عن الدّجاجة في البيت، و لو انبسط أحدهم لحبّة من مال صاحبه لمنعه، هل هذا إلّا مجرّد الرّياء و النّفاق، و كلّ ذلك مذموم بعضه محرّم و بعضه مكروه، و في العزلة خلاص منه، فانّ من لقي الخلق و لم يتخلّق بأخلاقهم مقتوه و استثقلوه و اغتابوه و تشمّر و الإبذائه فيذهب دينهم فيه و يذهب دينه و دنياه في الانتقام منهم.