منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٨٣ - المعنى
مبتهجا به فيها من الشّباب و القوّة و النعمة و العزّة و اللّذة قد أدبر و تولّى و مضى و انقضى فلا رجوع له اخرى، و ما يأتي بعد ذلك فهو غير معلوم لك اذ لا تدرى أنّه نعمة أو نقمة، عزّة أو ذلّة، ثروة أو مسكنة، حياة أم ممات، ضيق أو سعة، و بالجملة لا تدرى انه ملايم لطبعك فتنتظر أو مناف له فتنفر، قال الشّاعر:
|
واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به |
و لا حصلت على علم من الباقي |
|
(سرورها مشوب بالحزن و جلد الرّجال فيها إلى الضّعف و الوهن) و هذا مدرك بالوجدان مشاهد بالعيان إذ قلّ ما ترى مسرورا فيها و مبتهجا بها إلّا و مبتلا في كلّ لمحة و آن بفوت مطلوب أو فقد محبوب، و نرى بضاضة الشّباب مبدلة بحوانى الهرم، و غضارة الصحّة موهونة بنوازل السّقم (فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها) من عزّ و سلطان و جنود و أعوان و حصون و مقاصر و ضياع و دساكر و نساء و بنين و عشيرة و أقربين و القناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة و الانعام و الخيل المسوّمة (لقلّة ما يصحبكم منها) اذ ليس الّا كفن و حنوط و قطن و عود قال الشاعر:
|
فما تزوّد ممّا كان يجمعه |
إلّا حنوطا غداة البين في خرق |
|
|
و غير نفحة أعواد شببن له |
و قل ذلك من زاد لمنطلق |
|
[١] ثمّ دعا ٧ و ترحّم لاولى الفكر بقوله (رحم اللّه امرء تفكر) في أمر نفسه و مبدئه و معاده (فاعتبر) أى فكان ذا اعتبار و اتّعاظ (و اعتبر فابصر) أى أوجب اعتبار حاله نور بصيرة و ذلك إنّما يحصل بالانقطاع من الشّهوات و التّجافي عن الامنيات.
قال أبو الحسن موسى بن جعفر ٧ لهشام بن الحكم: يا هشام من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطول أمله، و محى طرايف حكمته بفضول كلامه، و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم
[١] ( ١) النفحة من العود القطعة منه و نفحة القوس المتروك منه و شببن له اى رفعن له من شب الفرس شبابا و مشبوبا رفع بيديه، منه