منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٠ - المعنى
|
أفنى القرون التي كانت منعمّة |
كرّ الجديدين إقبالا و إدبارا |
|
|
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك |
قد كان في الدّهر نفّاعا و ضرّارا |
|
|
يا من يعانق دنيا لا بقاء لها |
يمسى و يصبح في دنياه سفارا |
|
|
هلّا تركت من الدّنيا معانقة |
حتّى تعانق في الفردوس أبكارا |
|
|
إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها |
فينبغي لك أن لا تأمن النّارا |
|
(و كم عسى المجري إلى الغاية أن يجرى إليها حتّى يبلغها) يعني أىّ مدّة يرجو و يطمع المرسل مركوبه إلى وصول غاية ارساله إليها حتى يصلها، و الغرض منه تحقير ما يرجوه من مدّة الجرى و هي مدّة الحياة أى لا تظنّ لها طولا و لا تغترن بتماديها فانها عن قليل تنقضى و تنصرم، و في هذا المعنى قال ٧ في الدّيوان:
|
إلا إنّما الدّنيا كمنزل راكب |
أناخ عشيّا و هو في الصّبح راحل |
|
(و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه) يعني ما قرب وجود البقاء لمن له يوم لا يجاوزه، و هو تحقير لما يؤمل من مدّة البقاء أى بقاء من له يوم ليس وراءه بقاء و هو يوم الموت ليس بشيء يعتدّ به (و) الحال انه له كنايه (طالب حثيث يحدوه في الدّنيا حتى يفارقها) لعلّه أراد بالطالب الحثيث الموت و كنى بحدائه له عن سوق أسباب الموت و مقدّماته التي هي كرّ اللّيالي و مرّ الأيام له إليه.
و إذا كانت الدّنيا بهذه المثابة (فلا تنافسوا) أى لا تحاسدوا و لا تضنّوا (في عزّ الدّنيا و فخرها و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها) نهى عن المنافسة فيها و الاعجاب بها و الجزع منها معلّلا وجوب الانتهاء عن الأوّل بقوله (فانّ عزّها و فخرها إلى انقطاع) و ما كان منقطعا لا يحرص عليه لبيب و لا ينافس فيه أريب، و علّل وجوب الانتهاء عن الثاني بقوله (و زينتها و نعيمها إلى زوال) و ما كان زائلا لا يرغب إليه العاقل و لا يعجب به إلّا جاهل، و عن الثّالث بقوله (و ضرّائها و بؤسها إلى نفاد) و ما كان نافدا فانيا أحرى بأن يصبر عليه و لا يجزع منه (و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء) سواء كانت مدّة عزّ و منعة أو زينة و نعمة أو ضرّ و شدّة (و كلّ حىّ فيها إلى فناء) سواء كان ذى شرف و رفعة أو ذلّ و محنة أو ابتهاج و لذّة