منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٤٨ - المعنى
و التنفير عنها بذكر معايبها و مثالبها، و افتتح الكلام بحمد الملك المتعال و استعانة الربّ ذى الجلال لأنّ ذكره سبحانه مفتاح للمطالب، و وسيلة إلى المآرب فقال:
(نحمده على ما كان و نستعينه من أمرنا على ما يكون) تخصيص الحمد بما كان و الاستعانة بما يكون من حيث إنّ الثّناء على النعمة موقوف و مترتب على وقوعها فيما مضى، و طلب العون على أمر لا يتصوّر إلّا فيما يأتي و ما هو بصدد أن يفعله (و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان) فانّ الأديان لها سقم و شفاء كما للأبدان، و مرض الاولى أشدّ و آكد و تأثيره أكثر و أزيد، و لذلك قدّم طلب العافية لها، لأنّ مرض الأبدان عبارة عن انحراف المزاج الحيواني عن حدّ الاعتدال، و نقصانه يقع على الأعضا و الجوارح الظاهرة، و مرض الأديان عبارة عن ميل القلب عن الصراط المستقيم و المنهج القويم، و تأثيره يقع على القلب، و ضرره يعود إلى القوّة القدسيّة و نعم ما قيل:
|
و إذا مرضت من الذّنوب فداوها |
بالذكر إنّ الذكر خير دواء |
|
|
و السّقم في الأبدان ليس بضائر |
و السّقم في الأديان شرّ بلاء |
|
(عباد اللّه اوصيكم بالرفض لهذه الدّنيا التاركة لكم و ان لم تحبّوا تركها) أمر برفض الدّنيا و تركها و نفّر عنها بالتنبيه على أنّها تاركة لكم لا محالة، مفارقة إياكم و إن كانت محبوبة عندكم عزيزا عليكم فراقها، فانّ طبعها التّلطف في الاستدراج أوّلا و التّوصّل إلى الاهلاك آخرا، و هي كامرأة تتزيّن للخطاب حتّى إذا نكحوها ذبحتهم فمن كان ذا بصيرة لا يعقد قلبه على محبّة محبوبة كذلك، و لا يخاطب امرأة شأنها ذلك.
و قد روى أنّ الصادق ٧ كان يقول لأصحابه: يا بني آدم اهربوا من الدّنيا إلى اللّه و أخرجوا قلوبكم عنها فانكم لا تصلحون لها و لا تصلح لكم و لا تبقون لها و لا تبقى لكم هى الخداعة الفجاعة المغرور من اغترّبها، و المفتون من اطمأنّ إليها، الهالك من أحبّها و أرادها.