كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ٥٤١ - ذكر إمامته و بيعته ع
وَ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي مَسِيرِهِ مِنَ الْكُوفَةِ لِيَلْقَى مُعَاوِيَةَ فَيَرُدُّهُ عَنِ الْعِرَاقِ وَ جَعَلَهُ أَمِيراً عَلَى الْجَمَاعَةِ وَ قَالَ إِنْ أُصِيبَ فَالْأَمِيرُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّهُمْ نَازَلُوا مُعَاوِيَةَ بِإِزَاءِ مَسْكِنَ وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ يُرَغِّبُهُ فِي الْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَ ضَمِنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُعَجِّلُ لَهُ مِنْهَا النِّصْفَ وَ يُعْطِيهِ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَ دُخُولِهِ الْكُوفَةَ فَانْسَلَّ عُبَيْدُ اللَّهِ لَيْلًا إِلَى مُعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ وَ مَعَهُ خَاصَّتُهُ وَ أَصْبَحَ النَّاسُ بِغَيْرِ أَمِيرٍ فَصَلَّى بِهِمْ قَيْسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ نَظَرَ فِي أُمُورِهِمْ فَازْدَادَتْ بَصِيرَةُ الْحَسَنِ ع بِخِذْلَانِهِمْ لَهُ وَ فَسَادِ نِيَّاتِ الْمُحَكِّمَةِ فِيهِ وَ مَا أَظْهَرُوهُ لَهُ مِنْ سَبِّهِ وَ تَكْفِيرِهِ وَ اسْتِحْلَالِ دَمِهِ وَ نَهْبِ أَمْوَالِهِ وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يَأْمَنُ غَوَائِلَهُ إِلَّا خَاصَّةٌ مِنْ شِيعَتِهِ وَ شِيعَةِ أَبِيهِ ع وَ هُمْ جَمَاعَةٌ لَا يَقُومُونَ بِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ.
فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي الْهُدْنَةِ وَ الصُّلْحِ فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ كُتُبَ أَصْحَابِهِ الَّتِي ضَمِنُوا فِيهَا الْفَتْكَ بِهِ وَ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ وَ اشْتَرَطَ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى الصُّلْحِ شُرُوطاً كَثِيرَةً وَ عَقَدَ لَهُ عُقُوداً كَانَ فِي الْوَفَاءِ بِهَا مَصَالِحُ شَامِلَةٌ فَلَمْ يَثِقْ بِهِ الْحَسَنُ ع وَ عَلِمَ احْتِيَالَهُ وَ اغْتِيَالَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا الْتَمَسَ مِنْ تَرْكِ الْحَرْبِ وَ إِنْفَاذِ الْهُدْنَةِ لِمَا كَانَ مِنْ ضَعْفِ بَصَائِرِ أَصْحَابِهِ فِي حَقِّهِ وَ الْفَسَادِ عَلَيْهِ وَ مُخَالَفَتِهِ وَ اسْتِحْلَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ دَمَهُ وَ تَسْلِيمِهِ إِلَى خَصْمِهِ وَ خِذْلَانِ ابْنِ عَمِّهِ لَهُ[١] وَ مَصِيرِهِ إِلَى عَدُوِّهِ وَ مَيْلِهِمْ جَمِيعاً إِلَى الدُّنْيَا وَ عَاجِلِهَا.
فَتَوَثَّقَ لِنَفْسِهِ ع مِنْ مُعَاوِيَةَ تَأْكِيداً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَ الْإِعْذَارِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَ عِنْدَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ تَرْكَ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ الْعُدُولَ عَنِ الْقُنُوتِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَ أَنْ يُؤْمِنَ شِيعَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِسُوءٍ وَ يُوصِلَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ وَ حَلَفَ لَهُ بِالْوَفَاءِ.
فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ سَارَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ وَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ضُحَى النَّهَارِ وَ خَطَبَهُمْ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أُقَاتِلُكُمْ لِتُصَلُّوا وَ لَا لِتَصُومُوا
[١] يعني عبيد اللّه بن عبّاس.