شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤
و إذا أردنا أن نقدم بين يدي القارئ، أحد هذه التعريفات، فإننا نختار التعريف الذي قدمه ابن خلدون في مقدمته، باعتباره يمثل المرحلة الأولى من نشأة هذا العلم، قبل اختلاطه بالفلسفة، و هو مع ذلك يكاد يعبر عن رأي الأغلبية ممن يشتغلون بهذا العلم.
يقول ابن خلدون: «و هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، و الرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذهب السلف، أو أهل السنة» [١].
و التعريف الذي قدمه ابن خلدون يعطينا عند فحصه و تأمله، أن علم الكلام علم يدافع عن العقائد الإيمانية [٢].
و أسلحته الدفاعية هي العقل و معداته.
و هو دائما يشهر في وجه المبتدعة الضالين.
و إذا كان ذلك كذلك. فبما ذا يسمى الآخر الذي يستعمله خصوم أهل السنة و الجماعة، من الجهمية، و الخوارج، و الباطنية، و بقية الفرق الضالة الخارجة عن مذهب السلف؟.
إن صاحب كتاب (كشاف اصطلاحات الفنون) يتساءل أيضا فيقول: «هل علم الكلام يشمل الدفاع عن عقيدة أهل السنة و الجماعة فقط؟ أو يشمل كل العقائد المتعلقة بأصول الدين؟ سواء منها الموافق، أو المخالف؟ و إذا كان
[١] راجع مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٨ ط المكتبة التجارية الكبرى- مصر. و قال الفارابي: «إن الكلام صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء و الأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، و تزييف كل ما خالف من الأقاويل» إحصاء العلوم ص ٧١- ٧٢.
[٢] قال الإمام الغزالي: لما نشأت صيغة الكلام و كثر الخوض فيه، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور، و خاضوا في البحث عن الجواهر و الأعراض، و أحكامهما، و لكن لما لم يكن ذلك مقصودهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى.
(راجع المنقذ من الضلال فصل علم الكلام).