شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٢ - «الشرح»
..........
و اعلم أنّ بحر التوحيد لمّا كان بعيد الغور غامض الأسرار كان طريق الفناء فيه هو العيان دون البرهان إذا السالك إذ انتهى سلوكه إلى اللّه و في اللّه يستغرق في بحر التوحيد و يغشاه نور العرفان بحيث يضمحلّ في ذاته و صفاته و يغيب من كلّ ما سواه فلا يرى في الوجود إلّا هو، و أمّا الناقصون الّذين لم يشاهدوا بعد ساحله فإذا سألوا العارف باللّه وجب عليه الإتيان بعبارات لائقة و كلمات رائقة تدلّهم إلى ساحل القدس ليغترفوا من بحره بقدر الإمكان، ثمّ إنّه و إن بالغ في تصحيح العبارات و تنقيح الكلمات عمّا لا يليق بجناب الحقّ كانت العبارات و الكلمات لا محالة مغيّاة بغايات خياليّة و محدودة بحدود وهميّة و مربوطة بصور عقليّة يتنزّه قدس الحقّ عنها لأنّه وراء ما يدركه العقل و الوهم و الخيال فوجب عليه الإشارة إلى تقدّس الحقّ عمّا يفيده ظاهر العبارة ليهتدي السائل إلى ما هو المقصود منها و لا يذهب وهمه إلى ظاهرها فلذلك نبّهه (عليه السلام) على براءة ساحة الحقّ عمّا يفيده ظاهر هذه الكلمات و كرّره على سبيل التأكيد و المبالغة حتّى بلغ الكلام إلى توحيد الذّات و الصفات و هو التوحيد المطلق إلّا أنّ السائل لمّا كان عاجزا قاصرا لألف نفسه بالمحسوسات لم يتأثّر ذهنه بهذا البرهان الصحيح و النصّ الصريح فلذا
(قال له السائل: فما هو)
(١) يعني إذا لم يكن لذاته اختلاف أجزاء و لم يكن له صفات زائدة فما ذاته و ما صفاته و أي شيء يكون له حتّى يعرف هو به و الحاصل أنّ تعريف الشيء إمّا بالحدّ المشتمل على الذّاتيّات أو بالرسم المشتمل على الصفات و حيث لا جزء له و لا صفة له لا يمكن معرفته بوجه
(قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) هو الرّبّ و هو المعبود و هو اللّه)
(٢) يعني يعرف هو بأنّه مالك الممكنات و مربّيها و مخترع ذواتها و صفاتها و كمالاتها و حالاتها و بأنّه هو المعبود لهم المستحقّ لعبادتهم و غاية خضوعهم و تذلّلهم له و بأنّه هو اللّه المستجمع لجميع الكمالات اللّائقة به على الوجه الأتمّ و الأكمل لا باعتبار أنّها أجزاء أو خارجة عنه عارضة له، بل باعتبار أنّها عينه، فذاته ينبغي أن يعرف بذاته و بصفاته الإضافيّة الّتي لا تقتضي التعدّد و التكثّر فيه أصلا و التكثّر إنّما هو في الخارج المضاف إليه و إنّما اختار (عليه السلام) هذه الأسماء الثلاثة لأنّ لمعرفته تعالى طريقين أحدهما و هو طريق أكثر الخلائق أن يعرف بخلقه لأنّ