شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٧٦ - «الشرح»
[الحديث السابع]
«الأصل»
٧- «عليّ بن محمّد رفعه، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ كان اللّه و لا» «شيء: قال: نعم كان و لا شيء قلت: فأين كان يكون؟ قال: و كان متّكئا فاستوى» «جالسا و قال: أحلت يا زرارة و سألت عن المكان إذ لامكان».
«الشرح»
(عليّ بن محمّد رفعه، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ كان اللّه و لا شيء)
(١) قبله و معه و الاستفهام يحتمل الحقيقة و التقرير
(قال: نعم كان و لا شيء قلت فأين كان يكون)
(٢) كأنّه لكونه في مبادي التعلّم لم يقصد بذلك مجرّد السؤال عن كونه تعالى في المكان بل قصد مع ذلك أن كونه و لا شيء معه مستبعد لتوهّمه أنّ له مكانا بناء على أنّ الف النفس بالمتحيّزات و المحسوسات أعجز عن إدراك شيء بلا تحيّز و لا مكان و لم يعلم أنّ المكان أيضا شيء و ليس له مكان فخالق المكان أولى أن لا يكون له مكان و يحتمل أنّه كان عالما بأنه لا مكان له تعالى و لكن سأل عن ذلك ليعلم سرّ ذلك و يهتدي إلى طريق المناظرة مع المخالفين
(قال: و كان متّكئا فاستوى جالسا)
(٣) دلّ على عدم قبح اتّكاء المعلّم عند المتعلّم و لعلّ سبب الاستواء هو عروض التغيّر و الاضطراب له من استماع هذا الكلام
(و قال أحلت يا زرارة)
(٤) أي تكلّمت بالكلام المحال و هو الّذي ليس له وجه صحّة أصلا
(و سألت عن المكان إذ لا مكان)
(٥) [١] لأنّ المكان سواء كان بالمعنى اللّغوي كالأرض للسرير، أو بمعني البعد
[١] قوله «عن المكان اذ لا مكان» يحتمل أن يكون المراد بالمعنى اللغوى أعنى ما يعتمد عليه الشيء و هو بعيد أو المكان المصطلح عند الخواص و هو ما يتبدل على الجسم عند الحركة و هو أوضح و الفرق أن السهم المرمى و الطائر و كل ما لا يعتمد على شيء ليس له مكان بالمعنى الاول و له مكان بالمعنى الثانى و قد مر حديث ابن ميثم عن ابى عبد اللّه (ع) فى اختلاف زرارة، و هشام بن الحكم فى الهواء أنه مخلوق أو غير مخلوق و أن أبا عبد اللّه (ع) جعل اختلافهم مما لا يضر بالدين و فى هذا الحديث دلالة على قول زرارة و أن الفضاء أو المكان مخلوق و كان اللّه تعالى و مكان ثم خلق المكان. و اعلم أن الحكماء اختلفوا فى ماهية المكان فالمحققون منهم أنه السطح الحاوى المماس للمتمكن و زعم بعضهم أنه الفضاء الّذي يشغله الجسم بحيث لو لم يكن الجسم فيه لكان خاليا و يسمونه البعد المفطور، على الاول هو مخلوق بخلق الاجسام و لو لم يكن جسم فى العالم لم يكن فضاء و مكان أصلا و على الثانى هو غير مخلوق عند قائليه اذ لا يتصورون امكان عدمه و كل ما لا يحتمل عدمه فهو واجب الوجود و انما جعل الصادق (ع) خلافهم مما لا يضر بالدين مع أن اثبات واجب غير اللّه تعالى ينافى التوحيد الثابت فى كل دين إلهى لان هؤلاء يعتقدون أن الفضاء الخالى لا شيء و لا يلتزمون بانهم اثبتوا شريكا فى القدم و ليس لزوم الشرك بديهيا و لا هو من اللوازم البينة لثبوت الخلاء و فهم بطلان الخلاء صعب على ذهن الاكثرين و تكليفهم به تكليف بما لا يطاق، فالحق أن المكان مخلوق كما فى هذا الحديث، و ان كان قول مثبتى الخلاء مما لا يضر بالدين، ثم ان القائلين بالخلاء يلتزمون بامور عجيبة الاول أن الفضاء الخالى غير متناه و هذا فرع كونه واجب الوجود فان الحكم بكون الشيء غير متناه فى العظم من غير أن يحس به أو يدل عليه دليل باطل الا ترى أنه لا يمكن أن يحكم أحد بأن جسما كقطعة حجر أو تراب أو سلسلة حديد غير متناه من الجانب الّذي لا يلينا و لا نراه و لكن يحكم بأن الخلاء غير متناه فيعلم بذلك أن الخلاء فى ذاته واجب الوجود عندهم لا يحتمل عدمه حتى يحتاج وجوده الى الاثبات و قد يلهج أهل زماننا بأنه قد ثبت الخلاء و عدم التناهى و لم نقف على دليل مثبت بل لم نقف فيهم على من فهم معنى الدليل و يميز بين الثابت و غير الثابت.
الثانى من العجائب أنهم يلتزمون بأن الخلاء لا شيء و مع ذلك يتأثر بأمواج النور و الكهرباء و يجعلون الواسطة فى ايصال نور الشمس و القمر و الكواكب إلينا أثير الخلاء و يقولون اذا سطع نور الشمس حدث فى الاثير تموج نظير تموج الماء بسقوط حجر فيه فينقل الموج سريعا من الشمس الى الارض مثلا و هو النور و لا أدرى أن اللاشىء كيف يتموج و ينفعل.
الثالث انهم لا يجوزون على الخلاء أو على أثير الخلاء الخرق و الالتيام و التنحى و الحركة فاذا تحرك كرة من هذه الكرات فى الفضاء الخالى خرج من مكان و دخل الى مكان مستمرا و المكان باق ثم يقولون ان أوجدنا الخلاء فى اناء مسدود و نقلناه من مكان الى آخر انتقل الخلاء الّذي فى الاناء من مكانه فيلزم اثبات خلأين متطابقين أحدهما ينقل بنقل الاناء و الاخر لا ينقل، و ان فرضنا عدة أوانى صغار و كبار كل واحد فى الاخر و أوجدنا الخلاء فى الجميع و تحرك الاول فى الثانى و الثانى فى الثالث و هكذا و حركت الجميع فى الخلاء يتعدد الخلاء بتعدد الاوانى و اختلاف الحركات فاحدس من ذلك أن الخلاء الّذي يتوهمونه أمر اعتبارى يتعدد بتعدد الاعتبارات، نظير الفوق و السفل و يتوهم خلاء فى خلاء فى خلاء كما يتوهم فوق على فوق على فوق، و أما من يلتزم بأن الفضاء مملو من الاثير المتموج كما قلنا فهو منكر للخلاء البتة و الاثير عندهم بمنزلة الاجسام الفلكية التى كان يعتقد بها القدماء. (ش)