شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١١ - «الشرح»
..........
أنّ الكلام و الإرادة حادثان و المقصود هنا نفي أنّ تكوينه للأشياء بأن يصدر عنه الحرف و الصوت و ينطق بكلمة كن و نحوها لأنّ ذلك من صفات الخلق و هو سبحانه منزّه عنها، و كلمة كن في قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ* كناية عن تسخيره للأشياء و جريان حكمه في إيجادها و إحداثها و بأن يصدر عنه إرادة متردّدة في النفس و تفكّر في عواقب الامور ليعلم وجوه مصالحها كإرادة أحدنا شيئا فإنّها متوقّف على تصوّر الفعل و النظر إلى مصالحه و التفكّر في منافعه ليحصل اعتقاد النفع و انبعاث الشوق إلى أن يبلغ حدّا يرجّح الفعل منه على الترك و ما ذلك إلّا لنقصان العلم المنزّه جناب الحقّ عنه، بل إرادته لإيجاد الأشياء عبارة عن إيجادها و إحداثها، و لذلك لا يلزم أن يكون محلا للحوادث مع أنّ الإرادة حادثة، و بالجملة فيه تنزيه له جلّ شأنه أن يعرض له من جهة ما هو فاعل شيء من هذه الكيفيّات فإنّها من عوارض الإمكان، و لواحق الحركة الّتي هي من عوارض الجسم الّذي يفعل بالآلة و التفكّر و يحتاج في فعله إلى الحركة الّتي تشتدّ و تضعف و اللّه سبحانه منزّه عن جميع ذلك.
[الحديث الثامن]
«الأصل»
٨- «عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن محمّد بن حكيم قال:» «وصفت لأبي الحسن (عليه السلام) قول هشام الجواليقي و ما يقول في الشابّ الموفّق و» «وصفت له قول هشام بن الحكم فقال: إنّ اللّه لا يشبهه شيء».
«الشرح»
(عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عن محمّد بن حكيم قال: وصفت لأبي الحسن (عليه السلام) قول هشام الجواليقي و ما يقول في الشابّ الموفّق)
(١) قد عرفت تفسيره سابقا
(و وصفت له قول هشام بن الحكم)
(٢) من أنّه جسم
(فقال: إنّ اللّه لا يشبهه شيء)
(٣) [١] هذا من أوجز الكلام في تنزيه الواجب عمّا لا يليق به مثل الجسميّة
[١] قوله «ان اللّه لا يشبهه شيء» يمكن أن يكون دليلا نقليا فى مقابلة أهل الظاهر المتمسكين ببعض الاخبار فى تجسيم الواجب تعالى و بيانه أنه لو كان جسما كان شبيها بخلقه و قد نص الكتاب على أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فان قالوا نحن أيضا نقول هو جسم لا كالاجسام و نعترف بانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؟ قلنا هذا الكلام مشتمل على التناقض اذ لو كان جسما كان له مثل. و يمكن أن يكون دليلا عقليا بأنه لو كان جسما كان شبيها بمخلوقاته و هذا محال لان وجه الشبه صفة مشتركة بينه و بين خلقه البتة فيلزم تركيب ذاته مما به الاشتراك و ما به الامتياز، فان قيل ما تقول فى سائر الصفات المشتركة كالعلم و القدرة؟
قلنا هذه الصفات مشتركة فى المفهوم فقط كالوجود لا فى الحقيقة و أما الجسمية عند أهل التجسيم فهو حقيقة فينا و حقيقة فى البارى تعالى و الاشتراك فى الحقيقة لا فى صرف المفهوم و ننقل هنا متن كتاب الاشارات فى نفى الجسمية عنه تعالى و فى عدم شبيه له أصلا و على القارئين تطبيق ما قاله الشيخ على ما ورد فى الاحاديث و لا اختلاف بينهما فى المعنى قال الشيخ كل متعلق الوجود بالجسم المحسوس يجب به لا بذاته و كل جسم محسوس فهو متكثر بالقسمة الكمية و بالقسمة المعنوية الى هيولى و صورة و كل جسم محسوس فتجد جسما آخر من نوعه أو من غير نوعه الا باعتبار جسميته فكل جسم محسوس و كل متعلق به معلول. و قال أيضا: واجب الوجود لا يشارك شيئا من الاشياء فى ماهية ذلك الشيء لان كل ماهية لما سواه مقتضية لامكان الوجود و أما الوجود فليس بماهية لشيء و لا جزء من ماهية شيء أعنى الاشياء التى لها ماهية لا يدخل الوجود فى مفهومها بل هو طار عليها فواجب الوجود لا يشارك شيئا من الاشياء فى معنى جنسى و لا نوعى فلا يحتاج الى أن ينفصل عنها بمعنى فصلى أو عرضى بل هو منفصل بذاته. انتهى كلامه و بقى فى هذه المسألة غموض و هو أن المنقول عن هشام بن الحكم القول بالجسم و عن ابن سالم القول بالصورة و يدل النقل على أن القولين مختلفان كما مر «أن أصحابنا اختلفوا فى التوحيد منهم من يقول انه جسم و منهم من يقول صورة» و لا ندرى ما أرادوا بالصورة فى مقابل الجسم و روى أن القائل بالصورة قال بالشاب الموفق و قال بأنه أجوف الى السرة و الباقى صمد و هل الشاب الموفق الأجسم و الاجوف كذلك فلعل القائل بالجسم قال بالجسم المادى و القائل بالصورة بالجسم المثالى و لا ينافيه وصفه بالشاب و الاجوف اذ اطلق على الاجسام المثالية أمثال ذلك قال تعالى «إِنِّي أَرىٰ سَبْعَ بَقَرٰاتٍ سِمٰانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجٰافٌ» و قال «رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سٰاجِدِينَ» و قال «إِنِّي أَرٰانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ» و لكن لا فائدة فى تحقيق القولين مع ان النسبة غير ثابتة. (ش)