شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٤ - «الشرح»
..........
و يجوز استعمال الفاعل في المصدر كما يجوز عكسه و المقصود أنّ شعورك بما لم يكن حاصلا في ذهنك و حصوله في وهمك بعد ما لم يكن و ذهاب شيء عن ذهنك بعد ما كان فيه و نسيانك إيّاه من غير أن يكون لك اختيار فيه دلّ على أنّ ذلك بإفاضة مفيض و إزالة مزيل و هو القادر الّذي أنت مقهور تحت قدرته و إرادته فقد أشار (عليه السلام) إلى ظهور المبدأ القادر [١] بأنّ هذه الصفات النفسانيّة الفائضة على النفس ليست
[١] قوله «ظهور المبدأ القادر» لا بدّ لمعلم التوحيد أن يدفع هذا الوهم العام أولا و هو أن كل موجود محسوس و أن ما لا تدركه الحواس فلا حقيقة له و لذلك بدء فى سورة البقرة بعد الفاتحة التى هى بمنزلة خطبة الكتاب الالهى بأول واجب فى تعليم الدين و هو قوله تعالى «ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لٰا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» يعنى بما لا يدخل فى الحس فالايمان بوجود شيء غير محسوس أول الشروط لتحقق الايمان و اقتبس من الكتاب الالهى الشيخ الرئيس ابو على بن سينا فبدأ إلهيات الاشارات بدفع هذه الشبهة فقال قد يغلب على اوهام الناس أن الموجود هو المحسوس و أن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال، ثم شرع فى رد اوهامهم و كذلك مبنى شبهة ابن ابى العوجاء ان اللّه تعالى غير مدرك بالحس فليس بموجود و ان السماء خراب و ليس عالم وراء هذا العالم المادى و قد حكى اللّه تعالى قولهم فى كتابه و قال يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ و دفع شبهتهم موقوف على بيان اساس وهمهم و هو أنهم ذهبوا الى ما ذهبوا لان الحس فى البدن يتأثر بشيء خارج عن البدن و الانسان مجبول على ان يصدق بان التأثر لا يكون الا عن سبب موجود مثلا تتأثر العين بالنور فيصدق بوجود المرئى و تتأثر الاذن بأمواج الهواء فيعلم وجود الصوت و يتأثر جلد البدن بغمز الملموس فيصدق بحرارة و برودة. و اما المجردات كالملائكة و اللّه تعالى فلا يتأثر البدن بوجودهم بمزاحمة و ضغط و صدم و لا يصدق بهم لذلك فقال (ع) ان بدنك يتأثر بموجودات غيبية كما تتأثر حواسك بالجسمانيات و يجب عليك التصديق بها جميعا اذ ملاك الاعتماد على الحس موجود فى المجردات أيضا و لذلك خص الكلام بالاحوال الطارية على البدن دون المصالح و الحكم و آثار القدرة فى الاكوان من السماء و الارض و غيرها و انما كثر الامثلة مما رواه الراوى و لم يروه لتسجيل الاحساس بمغلوبية البدن و تأثره اضعاف ما تتأثر الحواس بالمحسوسات و اذا أيقن الانسان من تأثر يده بالحرارة بوجود نار قريبة منه كيف لا يتيقن من التأثرات العديدة فى جميع جوارحه و نفسه و روحه بوجود مؤثر خارج عنه. و ان قيل لعل المؤثر فيها شيء غير اللّه تعالى قيل فى جوابه: هو مؤثر غير محسوس بالحواس الخمس المعروفة و لا بد من الاعتراف بوجوده فيثبت أنه لا يصح انكار شيء بعلة أنه غير محسوس بالحواس الخمس و هو المقصود هنا ثم يثبت انتهاء الاسباب اياما كانت الى واجب الوجود تعالى شأنه. (ش)