شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٦ - «الشرح»
..........
و البصر نفس العلم بالمسموعات و المبصرات أو صفة اخرى غيره؟ فذهب المحقّقون إلى الأوّل و ذهب طائفة إلي الثاني و قالوا: ذكرهما مع العلم في كثير من الآيات و الرّوايات و إثباتهما بالدّليل بعد إثبات العلم بجميع المعلومات دليل على المغايرة و الحقّ هو الأوّل لدلالة كثير من الرّوايات الآتية عليه و ذكر الخاصّ مع العام شايع و إثباتهما بالدّليل بعد إثبات عموم العلم للدّلالة على تحقّق هذا العلم المخصوص له سبحانه أعني العلم بالمسموع و المبصر من حيث أنّه مسموع و مبصر حتّى أنّهما حاضران عنده على هذه الحيثيّة بالمشاهدة الذّاتيّة بلا آلة كما أنّهما حاضران عندك بالمشاهدة العينيّة و الملاحظة الالية، فإثبات السمع و البصر من حيث أنّهما علم داخل تحت إثبات العلم مطلقا و من حيث الخصوصيّة المذكورة مفتقر إلى دليل على حدة، فإن قلت: كما أنّه تعالى عالم بالمسموع و المبصر بالحيثيّة المذكورة كذلك هو عالم بالملموس مثلا من حيث أنّه ملموس فلم لا يطلق عليه اللّامس للدّلالة على أنّه عالم بالملموسات بالحيثيّة المذكورة، قلنا:
لا ريب في أنّه عالم بها من هذه الحيثيّة لكن إطلاق الاسم عليه موقوف على الإذن حتّى أنّه لو لم يقع الإذن على إطلاق السميع و البصير عليه لما أطلقناهما عليه.
و قال بعض أصحابنا فإن قلت: لم يكن شيء من المسموعات و المبصرات في الأزل فلم يكن اللّه سميعا و بصيرا في الأزل [١] إذ لا يعقل سماع المسموعات
[١] «فلم يكن اللّه سميعا و بصيرا فى الازل» لا يخفى أن الادراك يوجب ارتباطا بين المدرك و المدرك و العالم و المعلوم و أن هذا الارتباط فى الحس عبارة عن تأثير المحسوس فى الحاس بأن يكون الاشياء علة فى الجملة و الحواس معلولة فى حيثية ما و لا شك أن هذا الادراك الحسى يستلزم وجود المحسوس بالفعل اذ لو لم يكن بعد موجودا لم يتعقل تأثيره فى الحس و لذلك لا يجوز لنا رؤية أمور لم توجد بعد و توجد فى الزمان المستقبل و اما الّذي وجد فى الزمان الماضى و انقضى فربما امكن تأثيره بالاعداد مثلا ما تنبه له القدماء من سماع صوت الرعد بعد حدوث سببه بزمان و ما يعتقده أهل زماننا من انه يمكن رؤية كواكب كانت موجودة سابقا و أرسلت نورها إلينا قبل سنين ثم عدمت الكواكب و بقى النور فيمكن لنا رؤية شيء كان فى الزمان الماضى و أما المستقبل فرؤيته غير ممكنة اذ لا يمكن تأثير ما لم يوجد بعد بوجه ثم أن هذا النوع من الارتباط غير متصور بين الواجب تعالى و مخلوقاته اذ لا يمكن أن يكون ذاته متأثرة من الاشياء حتى يدرك بل الواجب أن يكون الارتباط الموجب للعلم هو علية الواجب تعالى لمخلوقاته فسمعه و بصره و علمه راجعة الى الارتباط العلى بينه و بينها و قد حقق ذلك المحقق الطوسى- (قدس سره)- فى موضعه فيرجع الكلام الى أن الارتباط بين العالم و المعلوم و السميع و المسموع و البصير و المبصر الّذي هو مناط الادراك قد يكون بتأثير المعلوم فى العالم و حينئذ لا يمكن ابصار ما لم يوجد و قد يكون بتأثير العالم فى المعلوم فلا مانع من ابصار ما سيأتى و الحاصل أن الادراك متفرع على الارتباط و الارتباط متوقف على التأثير فان كان بتأثير المعلوم فى العالم لم يمكن ادراك ما فى المستقبل و أمكن ادراك ما فى الماضى حسا و ان كان بتأثير العالم فى المعلوم جاز ادراك ما فى المستقبل و الماضى جميعا. (ش)