شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٠ - «الشرح»
..........
عنه بأنّ العلم تابع للمعلوم لا علّة له، فإن قلت: علمه بالأشياء في الأزل عبارة عن حضورها بعينها عنده و عدم غيبتها عنه و كيف يصحّ ذلك مع القول بحدوثها قلت: قد عرفت وجه ذلك فيما ذكرناه آنفا و نحن نقتصر هنا على كلمة إذا تأمّلت فيها حقّ التأمّل و جرّدت ذهنك اللّطيف عن الأحكام الوهمية علمت أنّ علمه الأزلي بالحوادث لا ينافي حدوثها و لا يقتضي قدمها و تلك الكلمة هي أنّه تعالى شأنه عالم اليوم بالشيء الّذي يوجد غدا و ذلك الشيء حاضر عنده اليوم [١] كما أنّه حاضر عنده غدا لا لأنّه موجود اليوم بل لأنّه تعالى لمّا لم يكن زمانيّا [٢]
[١] قوله «و ذلك الشيء حاضر عنده» الشيء الموجود فى الزمان المستقبل لا يمكن أن يكون حاضرا مشاهدا لنا الآن لان مشاهدتنا عبارة عن تأثير ذلك الشيء فى حاستنا و هو غير موجود الآن حتى يؤثر و لا يجوز قياس علم اللّه تعالى و ادراكه على مشاهدتنا لان علمه تعالى ليس بتأثر حاسة بل برابطة العلية فجاز أن يكون الحاضر و المستقبل و الماضى سواء عنده فى الحضور فانه علة للجميع. (ش)
[٢] قوله «لانه لما لم يكن زمانيا» قد تواتر هذا المعنى عن الائمة الهداة (عليهم السلام) خصوصا عن أمير المؤمنين (ع) فنفوا عنه الزمان كما نفوا عنه المكان و كما أن الاوهام العامية لا تتصور وجود موجود لا فى مكان كذلك لا تتصور وجود موجود لا فى زمان و الواجب فى ذلك متابعة الدليل العقلى و أقول الائمة (عليهم السلام) و ان لم تخضع الواهمة لها، نظير أن الميت جماد و الجماد لا يخاف عنه فانه ثابت بالعقل و ان لم يعترف به الواهمة و فى كتاب اثولوجيا لبعض اليونانيين الشيء الزمانى لا يكون الا فى الزمان الّذي وافق أن يكون فيه فاما الفاعل الاول فقد كان لانه ليس هناك زمان فان الشيء الملاقى فى الزمان المستقبل قائم هناك فلا محالة أنه هناك انما يكون موجودا قائما كما سيكون فى المستقبل، فالاشياء اذن عند البارى جل ذكره كاملة تامة زمانية كانت او غير زمانية و هى عنده دائما و كذلك كانت عنده أولا كما تكون عنده أخيرا انتهى، و ما اشبه هذا الكلام بقوله (ع) فى هذا الحديث فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه و لا يمكن أن يكون أحد الكلامين مأخوذا من الاخر بسهو الراوى و بان ينسب ما رآه فى اثولوجيا عن الباقر (ع) او يثبت ما سمعه من الامام فى كتاب اثولوجيا فان الامام (ع) مقدم على ترجمة هذا الكتاب أكثر من مائة سنة و كتاب اثولوجيا باللسان اليونانى قديم كان قبل الاسلام متواترا و ليس هذا الا لتطابق الوحى و العقل و كلام الحكماء و المتكلمين و علماء الشريعة و أصحاب الحديث من الامامية فى نفى الزمان عنه تعالى كثير لا حاجة الى نقلها. (ش)