شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٨ - «الشرح»
..........
ثلاث مرّات الأوّل لبيان أنّه ملك قبل الإنشاء، و الثاني لبيان أنّه ملك بعد الإنشاء. و الثالث- و هو هذا البيان أنّه ملك أزلا و إذا كان ملكا أزلا كان ملكا أبدا فهو ملك دائما و سلطان أوّلا بلا غاية و آخرا بلا نهاية
(له القدرة و الملك)
(١) تقديم الظرف لقصد الحصر أي له القدرة الكاملة على جميع الأشياء إذ كلّ موجود فهو منته في سلسلة الحاجة إليه و هو تعالى مبدأ وجوده و ساير ما يعدّ سببا له فإنّما هي واسطة بجعله و له الملك على الإطلاق و كلّ مالك مع ما في يده فهو مملوك له فإذن لا قدرة و لا ملك في الحقيقة إلّا له
(أنشأ ما شاء حين شاء بمشيّته)
(٢) أي بمجرّد مشيّته و إرادته بلا آلة و لا حركة و لا رويّة و لا مادّة فقد ظلم نفسه و كفر باللّه العظيم من قال: أنّه تعالى فاعل بالايجاب [١] لا قدرة له على فعله، و من قال: إنّه لم يوجد إلّا شيئا واحدا و لم يقدر على إيجاد غيره [٢] و من قال: إنّه يحتاج في خلق شيء إلى مادّة فإنّ ذلك ليس من
[١] «من قال أنه فاعل بالايجاب» مبنى هذه الشبهة أن بعضهم تمثل لتصوير احتياج الممكن الى الواجب حدوثا و بقاء بالشمس و الضياء و قال: كما أن الضياء محتاج الى الشمس فى حدوثه و بقائه كذلك العالم محتاج الى الواجب فى حدوثه و بقائه و قالوا: ليس نسبة العالم إليه تعالى نظير نسبة البناء الى البانى حيث يهلك البانى و يبقى البناء فذهب ذهن بعض جهلة المتفلسفين الى أن اللّه تعالى لا اختيار له فى خلقه بل يصدر عنه العالم قهرا بغير اختياره كالشمس و لم يعلموا أن المشبه و المشبه به لا يجب أن يكونا متماثلين من جميع الوجوه كتشبيه الوجه الحسن بالشمس و الشجاع بالاسد، بل لا يقتضي الا اشتراكهما فى وجه الشبه فقط فيجب الجمع بين التمثيلين فيقال: ان العالم فى الاحتياج المستمر الى اللّه نظير الشمس و النور و فى تعلقه بالاختيار و المشية نظير البانى و البناء و من جهة عدم الاستقلال فى الوجود نظير الموج و البحر. (ش)
[٢] قوله «و لم يقدر على ايجاد غيره» اعلم أن ما لا يجوز صدوره عن اللّه تعالى لكونه محالا أو قبيحا أو لعدم وجود المصلحة فيه و أمثال ذلك لا ينسب الى عجزه تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا بل هو قادر على كل شيء و لكن القبيح لا يصدر منه فلا يكذب، و لا يجرى المعجزة على يد المدعى الكاذب فى النبوة و الامامة، و لا يعذب البريء و لا يجبر العباد، و لا يفعل شيئا يخالف الحكمة و المصلحة، و لا ينصب امامين فى عهد واحد، و لا يختار المفضول للامامة، و لا يقدم الاخس على الاشرف، و كل ذلك و أمثاله محال على اللّه تعالى و يقول فقهاء زماننا ان القطع حجة بنفسه لا يجعل الشارع و لا يمكن أن يسقطه عن الحجية اذ ليس جعل حجيته و لا رفعه باختيار الشارع. اذا تبين ذلك فنقول: قد ثبت فى الحكمة الحقة الالهية أن لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى و أن جميع ما يرى من الاسباب و الوسائط مثل الدواء لرفع الامراض و النار للاحراق و الشمس للنهار كل ذلك معدات و الايجاد انما هو فعل اللّه تعالى و لكن جهلة المتفلسفين فهموا من قول أعاظم الحكماء أن الواحد انما يصدر عنه الواحد خلاف مقصودهم كما أشار إليه الشارح و الحق أن مقتضى حكمة البارى و عنايته أن يقدم الاشرف فى الايجاد و لا ريب ان العقل أشرف من الجسم الجامد فبدأ الخلق بالعقل ثم خلق كل شيء بعده بسببه كسائر الوسائط لا بأن يفوض أمر الخلق الى مخلوقه الاول لعجزه لان الّذي يقدر على خلق الاشرف الاعظم الاقوى لا يتصف بعجز عن خلق الاصغر و الاضعف كما أن شفاء المرض بالدواء لا يدل على عجزه عن الشفاء بغير دواء و الماديون يجعلون وجود الاجسام مقدما على العقل و أن العقل من توابع الجسم و المزاج و الالهيون بالعكس. (ش)