تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨٨ - ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك و ما كان من امره و امر يزيد في هذه السنه
ممن سمع قوله: و الله لكأنك يا أبا سعيد راض عن اهل الشام، فقال: انا راض عن اهل الشام قبحهم الله و برحهم! ا ليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله ص، يقتلون اهله ثلاثة ايام و ثلاث ليال! قد أباحوهم لانباطهم و اقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدين، لا يتناهون عن انتهاك حرمه.
ثم خرجوا الى بيت الله الحرام، فهدموا الكعبه، و أوقدوا النيران بين أحجارها و أستارها، عليهم لعنه الله و سوء الدار! قال: ثم ان يزيد خرج من البصره، و استعمل عليها مروان بن المهلب، و خرج معه بالسلاح و بيت المال، فاقبل حتى نزل واسطا، و قد استشار اصحابه حين توجه نحو واسط، فقال: هاتوا الرأي، فان اهل الشام قد نهضوا إليكم، فقال له حبيب، و قد اشار عليه غير حبيب أيضا فقالوا: نرى ان تخرج و تنزل بفارس، فتأخذ بالشعاب و بالعقاب، و تدنو من خراسان، و تطاول القوم، فان اهل الجبال ينقضون إليك و في يديك القلاع و الحصون فقال:
ليس هذا برأيي، ليس يوافقنى هذا، انما تريدون ان تجعلوني طائرا على راس جبل فقال له حبيب: فان الرأي الذى كان ينبغى ان يكون في أول الأمر قد فات، قد امرتك حيث ظهرت على البصره ان توجه خيلا عليها اهل بيتك حتى ترد الكوفه، فإنما هو عبد الحميد بن عبد الرحمن، مررت به في سبعين رجلا فعجز عنك، فهو عن خيلك اعجز في العده، فنسبق إليها اهل الشام و عظماء أهلها يرون رأيك، و ان تلى عليهم أحب الى جلهم من ان يلى عليهم اهل الشام، فلم تطعني، و انا أشير الان براى، سرح مع اهل بيتك خيلا من خيلك عظيمه فتأتي الجزيرة، و تبادر إليها حتى ينزلوا حصنا من حصونها، و تسير في أثرهم، فإذا اقبل اهل الشام يريدونك لم يدعوا جندا من جنودك بالجزيرة، و يقبلون إليك فيقيمون عليهم، فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك، و ينفض إليك اهل العراق و اهل الثغور، و تقاتلهم في ارض رفيغه السعر، و قد جعلت العراق كله وراء ظهرك،