تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٩ - مقتل عبد الله بن الزبير
حكم الله، و لم يغدر في أمان، و لم يتعمد ظلم مسلم و لا معاهد، و لم يبلغني ظلم عن عمالى فرضيت به بل انكرته، و لم يكن شيء آثر عندي من رضا ربى اللهم انى لا اقول هذا تزكيه منى لنفسي، أنت اعلم بي، و لكن اقوله تعزيه لامى لتسلو عنى فقالت أمه: انى لأرجو من الله ان يكون عزائى فيك حسنا ان تقدمتنى، و ان تقدمتك ففي نفسي، اخرج حتى انظر الى ما يصير امرك قال: جزاك الله يا أمه خيرا، فلا تدعى الدعاء لي قبل و بعد فقالت: لا ادعه ابدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، و ذلك النحيب و الظما في هواجر المدينة و مكة، و بره بابيه و بي اللهم قد سلمته لأمرك فيه، و رضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين.
قال مصعب بن ثابت: فما مكثت بعده الا عشرا، و يقال: خمسه ايام.
قال محمد بن عمر: حدثنى موسى بن يعقوب بن عبد الله، عن عمه قال: دخل ابن الزبير على أمه و عليه الدرع و المغفر، فوقف فسلم، ثم دنا فتناول يدها فقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد، قال ابن الزبير:
جئت مودعا، انى لأرى هذا آخر يوم من الدنيا يمر بي، و اعلمي يا أمه انى ان قتلت فإنما انا لحم لا يضرني ما صنع بي، قالت: صدقت يا بنى، اتمم على بصيرتك، و لا تمكن ابن ابى عقيل منك، و ادن منى اودعك، فدنا منها فقبلها و عانقها، و قالت حيث مست الدرع: ما هذا صنيع من يريد ما تريد! قال: ما لبست هذا الدرع الا لأشد منك، قالت العجوز: فانه لا يشد منى، فنزعها ثم ادرج كميه، و شد اسفل قميصه، و جبه خز تحت القميص فادخل أسفلها في المنطقه، و أمه تقول:
البس ثيابك مثمره ثم انصرف ابن الزبير و هو يقول: